فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 238

ولما كان مبدأ تأثير هذه القوى من الدماغ قيل: مسكن الفكرة وسط الدماغ، ومسكن الخيال مقدَّمُه، ومسكن الحفظ والذكر مؤخَّره. ولما كان قوام الدماغ، بل قوام الجسم كله من القلب الذي منه منشأ الحرارة الغريزية صار في كلام الناس يعبَّر عن هذه القوى تارة بالدماغ فيقال: لفلان دماغ إذا قويت منه هذه القوى المدركة، وفلان خالي الدماغ إذا ضعفت فيه هذه القوى. ويعبر عنها تارة بالقلب والثاني أكثر، وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37) .

ولما كان أكثر إدراك الحقائق بهذه القوى المدركة، وكانت الفكرة خادمة للعقل، والتخيل خادما للعقل والفكر تارة، وللسمع والبصر تارة خص اللَّه بالذكر القلب - وهو أحد الطرفين - والسمع والبصر وهو الطرف الآخر؛ ولذلك عظم اللَّه المنَّة على الإنسان

بإعطائه إيَّاه هذه الثلاثة، وحمد من استعملها، وذم من أهملها فقال (سبحانه) : (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) ،

وقال في ذم من لا ينتفع بها: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(179)

وقال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)

أي لا يفهمون.

المعنى أنهم لا يسمعون الأصوات أو لا ييصرون الذوات، وجعلهم بكمًا من حيث إنهم لا يوردون معنى مستنبطًا بالفكر مدركًا بالعقل.

واعلم أن السمع والبصر كالأخوين يخدم كل واحد منهما صاحبه في إدراكه، فقد ينوب السمع عن البصر في إبلاغ القلب بما يأخذه عن اللفظ فيدرك في ساعة ما لا يدركه البصر في برهة، وينوب البصر عن السمع في إبلاغ القلب بمطالعة الكتب ما لا يدركه السمع في مدة سيما إذا كان المخاطب ناقص العبارة، أو غير متثبت في الكلام، أو دق المعنى وغمض عن الإفهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت