فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 238

(تعاون القوى الروحانية وحقيقة إدراكها)

القوى الروحانية متعاونات في إدراكهن لرسوم المعلومات، فإن الخيال يتصور عن المحسوس فتبقى فيه صورته الروحانية فينتقش بها كما تنقش الشمع بصورة الختم، ثم يأخذها الفكر، فيميز بعضها عن بعض بنور العقل، فيبحث عن خواصها ومنافعها، ومضارها، ثم يؤديه إلى القوة الحافظة، فإن أراد إبرازه قولًا سلط عليه القوة الناطقة فيعبر عنه باللسان، وإن أراد إبرازه فعلًا سلط عليه القوة العاملة فتوجده الجوارح.

وقد ضرب بعض الحكماء مثلًا لهذه القوى يقرب منه تصور تأثيراتها فقال: إن القوة الفكرة ومسكنها وسط الدماغ بمنزلة الملك يسكن وسط المملكة، والخيالية ومسكنها مقدم الدماغ جارية مجرى صاحب بريده، والحافظة ومسكنها مؤخر الدماغ جارية مجرى خازنه، والقوة الناطقة جارية مجرى ترجمانه، والعاملة جارية مجرى كاتبه، والحواس جارية مجرى جواسيسه وأصحاب الأخبار الصادقي اللَّهجات فيما يرفعونه من الأخبار، فيلتقط كل واحد الخبر من الصقع الذي وكل به فيرفعه إلى صاحب البريد، وصاحب البريد يسقط منه ما يراه حشوًا، ويرفع الباقي صافيًا إلى حضرة الملك فيميزه ويعرف منافعه ومضاره، ويسلمه إلى خازنه إلى وقت الحاجة فحينئذ يتقدم بإخراجه.

قالوا: وكما أن للملك أفعالًا يستعين فيها بغيره، وأفعالًا ينفرد هو فيها بنفسه، والأفعال التي يتولاها بنفسه أشرف مما يفوضها إلى غيره، فكذلك للقوة المفكرة أفعال تفوضها إلى غيرها، وأفعال تختص هي بها، وهي الرؤية والفكر والاعتبار والتصور والقياس والفراسة، فهذه الأشياء تدبير الأمور، فبالفكر استخراج الغوامض، وبالاعتبار تحصيل التجربة، وبالقياس استنباط المجهول بتوسط المعلوم، وبالفراسة الاطلاع على الأسرار.

ونحو هذا المثل مما روي أن كعب الأحبار قال:"دخلت على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -"

فقلت: الإنسان عيناه هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ورجلاه بريد، والقلب ملك، فإذا طاب القلب طاب جنوده، فقالت: هكذا سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت