الصفحة 151 من 230

(ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد ومن أهداف تلك التربية تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به ليخلص من شخصه ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره.

وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد.

ربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة تعذب المؤمنين بل كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه.

ربما كان ذلك لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله المخلصين.

وربما كان ذلك لأن النخوة العربية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم، فابن الدغنة مثلًا لم يرض أن يترك أبا بكر يهاجر ويخرج من مكة ورأى في ذلك عارًا على العرب، وعرض عليه جواره وحمايته.

وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة ويبقى الشرك.

في الوقت ذاته لم تكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحققًا وهو وجود الدعوة في شخص الداعية صلى الله عليه وسلم، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع). الظلال: 2/ 714

ومن المهم التفريق بين العلة والحكمة، فالعلة هي التي يدور معها الحكم وجودا وعدما، وأما الحكمة فإن تخلفها لا تأثير له على الحكم.

ومن هنا كان الحديث عن الحكم والأسرار التي يتضمنها التشريع فيه متسع ومندوحة للرأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت