93 -وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (6/ 280) معلقا على حديث سهل بن حنيف (أيها الناس اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل، ولو استطيع أن أراد أمر النبي صلى الله عليه وسلم لرددته) ، قال الحافظ (و إنما قال سهل بن حنيف لأهل صفين ما قال لما ظهر من أصحابه على كراهة التحكيم فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهية أكثر الناس للصلح، ومع ذلك أعقب خيرا كثيرا، وظهر أن رأي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح أتم و أحمد من رأيهم في المناجزة)
نحن لا ننكر ما وراء رأي النبي صلى الله عليه وسلم من إلهام ورشد وتوفيق و عصمة، ولكن ذلك لا يحجبنا عن استشراف الآفاق و المآلات التي كانت هي محل نظر النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قتال قريش ومناجزتهم العاجلة إزهاق أرواح مؤمنة كثيرة وقتل ناس على الكفر سيصبحون فيما بعد من دعائم الإسلام في امتداده وفتوحاته، هذه المفاسد وغيرها، درأها النبي صلى الله عليه وسلم بمهادنة القرشين وقبول شروطهم التي فهم منها بعض الصحابة المذلة، وقد أصبح هذا الصلح فتحا عظيما ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا منتصرا دون أن يلقي مقاومة تذكر، وأخذ معارضو هذه السياسة درسا في ضرورة اتهام الرأي وعدم الجمود على ما يظهر بادي الرأي ..
94 -إن إتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السياسة الشرعية القائمة على استشراف المصالح والنظر في المآلات أمر مشروع لا غبار عليه، وإذا أنكر على أهل العلم هذه السياسة الشرعية فلهم سلف في رسول الله صلى الله عليه وسلم،
95 -خصوصا وقد أثبتت التجارب والأيام عمق نظر أهل العلم في منعهم مثل هذه الأعمال فكانوا إنما ينظرون إلى نتائجها من ستر رقيق 96 - لذلك فإنهم ظلوا صامدين عليها كالطود الشامخ على حين اضطر غيرهم إلى المراجعات واعترف بأخطائه بعد أن بلغ السيل الزبى ..
97 -و لكن يبدو للأسف، أن التجارب الفاشلة لا يستفيد منها إلا أصحابها، و أما غيرهم فلا بد أن يكررها و يجترها و كأنها فرض عين على الجميع، وحسبنا الله و نعم الوكيل.
98 -ثم ما ذا بعد الحكم:
إذا تسلمتم الدولة بعددكم القليل، فأين وزراؤكم؟ وأين ولاتكم؟، بل وأين جيشكم؟، أم أنكم ستحولون هذا الجيش إلى جند مجاهد يطيعكم طاعة عمياء، كل ذلك في زجرة واحدة.