الصفحة 53 من 230

فقد قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} . (الجاثية: 14) : (وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك) .

وقال الشوكاني: (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ولأجله بعث الله رسله وأنزل كتبه ومازال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا لهذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - 1/ 945.

وإذا كان هذا الحكم منسوخا بالاجماع فكيف يسوغ اليوم العمل به؟! أليس النسخ دليلا على بطلان العمل بالحكم المنسوخ؟!

وحيث سقط القتال عن المسلمين بعد ذلك فهو ساقط للعجز لا لاستصحاب حكم الفترة المكية، والخلاف ليس لفظيا، لأن استصحاب الفترة المكية يعني سقوط القتال بالجملة، أما سقوط القتال للعجز فهو يقتضي العمل بالقواعد المكملة لقاعدة"التكاليف منوطة بالقدرة"أعني قاعدة"الضرورة تقدر بقدرها"وقاعدة"الميسور لا يسقط بالمعسور".

ولقد تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن مشروعية قتال المرتدين وأعطي الضوء الأخضر في ذلك فقال:"إلا أن تروا كفرا بواحا"

فأطلق مشروعية قتال المرتدين ولم يفرق بين حالة القوة وحالة العجز والقاعدة ان"ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في المقال"، إلا أنه من المعلوم في الشرع أن"التكاليف منوطة بالقدرة"فكانت هذه القاعدة المعلومة هي المقيد لذلك الاطلاق، وليس الفترة المكية.

ولكن بالنسبة لقتال المرتدين خاصة فإن العلماء ذكروا بأن العاجز عن قتال الحاكم المرتد يجب عليه الهجرة كما قال ابن حجر في حديثه عن الحاكم المرتد (وأنه ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام بذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) الفتح: 13ــ 123

إذ لا يجوز لمسلم أبدا أن يقيم بمكان تقام عليه فيه أحكام الكفر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت