الصفحة 86 من 230

فانظر - رحمك الله - كيف أقدَم الغلام المؤمن على ما من شأنه أن يقتله يقينًا رجاء مصلحةٍ راجحةٍ و هي إسلام قومه، الذين دخلوا بسببه في دين الله أفواجًا، و هذا من شرع من قَبلَنا الذي لا ناسخ و لا معارض له في نصوص الكتاب و السنّة، و الله أعلم

و قد حَمَل عددٌ من الصحابة الكرام فمن بَعدَهم قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد) ِ [البقرة: 207] على من حَمَلَ على العدو الكثير لوحده وغرر بنفسه في ذلك، كما قال عمر بن الخطاب و أبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة رضي الله عنهم فيما رواه أبو داود والترمذي و ابن حبان و صححه و الحاكم، [انظر: تفسير القرطبي 2/ 361]

و روى ابن أبي شيبة في مصنّفه و البيهقي في سننه أنّ هشام بن عامر الأنصاري رضي الله عنه حمل بنفسه بين الصفين على العدو الكثير فأنكر عليه بعض الناس و قالوا: ألقى بنفسه إلى التهلكة، فرد عليهم عمر بن الخطاب و أبو هريرة رضي الله عنهما بقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: 207

و روى القرطبي [في تفسيره: 2/ 21] أنّ هذه الآية نزلت فيمن يقتحم القتال، ثم ذكر قصّة أبي أيّوب رضي الله عنه.

و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رفيقي في الْجَنَّةِ» .َقتَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رفيقي في الْجَنَّةِ» . فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلك حَى قُتِلَ السَّبْعَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَاحِبَيْهِ: «مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا» و معنى قول أنس: رَهِقوه أي غشيه المشركون و قرُبوا منه، و قوله صلى الله عليه و سلّم): مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا) أي ما أنصفت قريش الأنصار، لكون القرشيَّيْن لم يخرجا للقتال، بل خرج الأنصار واحدًا تلو الآخر، و روي: (ما أَنَصَفَنَا) بفتح الفاء، و المراد على هذا: الذين فروا من القتال فإنهم لم ينصفوا لفرارهم.[انظر شرح صحيح مسلم للنووي: 7/ 430 و ما بعدها.

و في الصحيحين قصّة حملِ سلمة ابن الأكوع و الأخرم الأسدي و أبو قتادة لوحدهم على عيينة بن حصن و من معه، و ثناء الرسول صلى الله عليه و سلم عليهم بقوله: «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ» قال ابن النحاس [في مشارع الأشواق: 1/ 540] : و في الحديث الصحيح الثابت: أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، و إن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصا في طلب الشهادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت