قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى:"ثم بعد الإرسال إلى الملوك أخذ - صلى الله عليه وسلم - في غزو النصارى، فأرسل أولا زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في جيش فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك، وقال لأصحابه (أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة) فقتل الثلاثة وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الثلاثة في اليوم الذي قتلوا فيه، وأخبر أنه أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله على يديه، ثم أنه بعد هذا غزا النصارى بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه في الغزاة، ولم يأذن في التخلف عنه لأحد، وغزا في عشرات ألوف غزوة تبوك، فقدم تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم ورومهم وغيرهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم، فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه، وأنزل الله تعالى في ذلك أكثر سورة براءة، وذم تعالى الذين تخلفوا عن جهاد النصارى ذما عظيما والذين لم يروا جهادهم طاعة جعلهم منافقين كافرين لا يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) وقال (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فإذا كان هذا حكم الله ورسوله فيمن تخلف عن جهادهم إذ لم يره طاعة ولا رآه واجبا فكيف حكمه فيهم أنفسهم"انتهى.
وسيأتي إن شاء تفصيل كيف يكون هذا القدح منهم في التخذيل عن الجهاد.
كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة 49] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لجد بن قيس: (يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟) قال جد: أتأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معرض عنه (قد أذنت لك) فأنزل الله (ومنهم من يقول ائذن لي) الآية.
قال ابن كثير في التفسير:"أي إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم"انتهى.
قال سيد قطب في الظلال:"والتعبير يرسم مشهدًا كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون، وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم، وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون، كناية عن مقارفتهم للخطيئة"