تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيرًا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون، ومن هؤلاء أولئك الذين (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) انتهى.
وما أحوالهم مع الجهاد إلا ناتج عن هذا الكره والبغض ومن ذلك ترك الغزو وترك تحديث النفس بالغزو كما قال - صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه مات على شعبة من النفاق) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وهذا من كيد المنافقين ومكرهم، فإنهم أبعد ما يكونوا عن الشرع، ولكن جاءوا بهذا الأسلوب لكي يصدقوا في أقوالهم، ولكي يكون أدعى للقبول عند من سمعه، فيظهروا بمظهر الورع والتقوى في ترك الجهاد والقعود عنه، وأنهم إنما تركوه لله تعالى لا لأجل أنهم يحبون الدنيا، أو لأجل أنهم يكرهون الجهاد ويكرهون الموت ويحبون الحياة، أو لأجل مشاق الجهاد أو غيره، ويكون ذلك بأساليب منها:
أولا: القدح في شرعية الجهاد ونفي وجوده ومسماه وأنه ليس بطاعة:
ويأتون بهذا القدح لأمرين:
الأمر الأول: القعود وترك الجهاد.
الأمر الثاني: تخذيل الناس عن الجهاد وسيأتي إن شاء الله كما قال تعالى عنهم قولهم يوم أحد لما خذلوا المسلمين وقعدوا (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ) [آل عمران 167] .
قال في البحر المحيط وهو يذكر أوجه التفسير للآية"وإمّا على سبيل التخطئة لهم في ظنهم أن ذلك قتال في سبيل الله، وليس كذلك، إنما هو رمي النفوس في التهلكة، إذ لا مقاومة لهم بحرب الكفار لكثرتهم وقلة المؤمنين، لأن رأى عبد الله بن أبي كان في الإقامة بالمدينة وجعلها ظهرًا للمؤمنين، وما كان يستصوب الخروج كما مرّ ذكره في قصة أحد"انتهى.