والداعي تبعًا للمقصود، ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير، لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد.
أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية، واكتساب السعادات الروحانية، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والتبدل، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتًا راسخًا، فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} وقال: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وقال: {أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} "انتهى."
وذلك لأنهم ضعيفوا أو عديموا الإيمان، فلا يحسون بمعنى الأخوة الإيمانية، وتغلبهم شهوات أنفسهم، وأنفسهم شحيحة فيشحون عن إخوانهم المجاهدين بالإعانة والمساعدة، ويشحون على حظوظهم النفسية وعلى حظهم من الغنائم ويستأثرون بالأشياء، ولا يهتمون إلا بأنفسهم في القتال والجهاد، فيقدمون مصالحهم الشخصية على كل مصلحة، ولا يتنازلون عنها، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران 154] .
عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدث أنه كان فيمن غشيه النعاس يومئذ قال: (فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط من يدي وآخذه، والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق) رواه الترمذي.
قال سيد قطب في الظلال:" {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} إن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء فهم كلهم لله، وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له ويتحركون له ويقاتلون له بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم كائنًا هذا القدر ما يكون."
فأما الذين تهمهم أنفسهم وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم ومحور اهتمامهم وانشغالهم، فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان، ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا