وتارة يعلنون أنهم مع المجاهدين ويحرضون على نصرتهم، وتارة يخذلونهم ويقدحون فيهم كما سيأتي إن شاء الله في فعل عبد الله بن أبي سلول يوم أحد حينما انخزل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلث الجيش، ولم يناصر المسلمين في أحد، ولم يسمع للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يأمر الأنصار ويحضهم على مناصرته وتعزيره والسمع والطاعة له.
وتارة يحسنون القول ويسيئون الفعل كما سيأتي إن شاء الله في إحسان الكلام في السلم، وتارة يحسنون بعض الفعل ويسيئون القول، كما في خروج من خرج من المنافقين إلى غزوة تبوك وقدحهم مع ذلك بالمجاهدين، وتارة يسيئون القول والفعل، كما في غزوة أحد وخذلان المنافقين، وقعودهم عن نصرة المجاهدين، وقدحهم في المجاهدين لما أتوا إلى المدينة بعد الوقعة والشماتة بهم.
وتارة ينفقون على الجهاد مع الكره، لا لله ولكن حفاظا على مصالحهم حتى لا ينفضحوا أو لكي يدرأوا عن أنفسهم الخروج إلى الجهاد ببديل الإنفاق المجرد كما روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الجد بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي! قال: ففيه نزلت {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ منكم} قال: لقوله (أعينك بمالي) وكما قال تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة 54] وقال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} [التوبة 98] وغالبا لا ينفقون بل ويمنعون منه، وقال تعالى: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} [المنافقون 7] وقال تعالى عنهم: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة 67] أي عن الإنفاق.
وتارة وتارة وتارة ...
وسبب هذا التقلب والاضطراب هو أنهم لم يخضعوا أنفسهم ومواقفهم لمصلحة الإسلام، وإنما أخضعوها لمصالح أنفسهم الشخصية وأهوائهم، والمصالح الشخصية متقلبة، ولكي تعرف أخي هذه المواقف وتقلبها واضطرابها قارنها بمواقف المجاهدين الصامدين ضد الكفار وثبات مواقفهم وصرامتها وعدم تقلبها مع شدة اللأواء والبلاء على مر الزمان وتبدل الأحوال.
قال الرازي في تفسيره مقررا هذا الأمر في قوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ} :"وأعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي، فإن كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم، كثر التذبذب والاضطراب، لأن منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل، وإذا كان الفعل تبعًا للداعي،"