وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت 10 - 11] .
فهم يدّعون عند الفتح والنصر للمجاهدين بأنهم كانوا معهم، وعند الابتلاء يتنازلون عن الدين وعن الإيمان.
قال ابن الجوزي في زاد المسير:" (ولئن جاء نصر من ربك) يعني دولة للمؤمنين (ليقولن) يعني المنافقين للمؤمنين (إنا كنا معكم) على دينكم، فكذَّبهم الله عز وجل وقال (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) من الإِيمان والنفاق"انتهى.
قال سيد قطب في الظلال:"وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير، ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المهزومون، فيقولون (إنا كنا معكم) (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون؟"انتهى.
فهم يهتمون لهذه الحياة ويحبونها، وهم يكرهون الموت أشد الكره، وهم لا ينظرون النظرة الأخروية في العمل الجهادي من أن الفوز الأخروي والفوز بالجنة هو الفوز الكبير وهو الأهم وإن لم يحصل الفتح والنصر، وإن قتل جميع الناس لأجل دينهم فإن ذلك الفوز العظيم، فهم ينظرون أنه إذا لم يتم النصر والفتح والغنائم ويحقق الجهاد نتائج دنيوية في ذلك فإن الجهاد لا مصلحة فيه ولا منفعة وإلقاء باليد إلى التهلكة كما سبق بيانه، ويبدأون بالتذمر منه كما سيأتي هنا، وأيضا هم يكرهون الجهد والمشقة وليس عندهم استعداد لخوض الجهاد، فإذا كان فيها هذا الأمر فإنهم يغلبون مصلحتهم الشخصية على مصلحة الدين، فليس عندهم استعداد للتخلي عن حياة الرفاهية والدعة التي يعيشونها لأجل مصلحة الدين، فأما الدماء فقال تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ