فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران 168 - 169] .
قال الرازي في تفسيره:"اعلم أن القوم لما ثبطوا الراغبين في الجهاد بأن قالوا الجهاد يفضي إلى القتل كما قالوا في حق من خرج إلى الجهاد يوم أحد، والقتل شيء مكروه، فوجب الحذر عن الجهاد، ثم إن الله تعالى بين أن قولهم الجهاد يقضي إلى القتل باطل، بأن القتل إنما يحصل بقضاء الله وقدره، كما أن الموت يحصل بقضاء الله وقدره، فمن قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه، ومن لم يقدر له القتل لا خوف عليه من القتل، ثم أجاب عن تلك الشبهة في هذه الآية بجواب آخر، وهو أنا لا نسلم أن القتل في سبيل الله شيء مكروه وكيف يقال ذلك والمقتول في سبيل الله أحياه الله بعد القتل وخصه بدرجات القربة والكرامة وأعطاه أفضل أنواع الرزق وأوصله إلى أجل مراتب الفرح والسرور، فأي عاقل يقول إن مثل هذا القتل يكون مكروها فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل:"
المسألة الأولى: هذه الآية واردة في شهداء بدر وأحد، لأن في وقت نزول هذه الآية لم يكن أحد من الشهداء إلا من قتل في هذين اليومين المشهورين، والمنافقون إنما ينفرون المجاهدين عن الجهاد لئلا يصيروا مقتولين مثل من قتل في هذين اليومين من المسلمين، والله تعالى بين فضائل من قتل في هذين اليومين ليصير ذلك داعيا للمسلمين إلى التشبه بمن جاهد في هذين اليومين وقتل، وتحقيق الكلام أن من ترك الجهاد فربما وصل إلى نعيم الدنيا وربما لم يصل، وبتقدير أن يصل إليه فهو حقير وقليل، ومن أقبل على الجهاد فاز بنعيم الآخرة قطعا وهو نعيم عظيم، ومع كونه عظيما فهو دائم مقيم، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن الإقبال على الجهاد أفضل من تركه"انتهى."
قال ابن جرير في تفسيره:"يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا إن كنتم أيها المنافقون، صادقين في لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد - صلى الله عليه وسلم - وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريش، ما قتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم، وتخلفهم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وشهود جهاد أعداء الله معه الموت، فإنكم قد قعدتم عن حربهم وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون"انتهى.
وقال تعالى عنهم في غزوة أحد لما قتل من المسلمين من قتل {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران 154] فهذا التذمر الذي حصل منهم يوم أحد يدلك على حالهم مع الدماء التي تترتب على جهاد الكفار.