فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 95

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، أما بعد:

فإن الله عز وجل لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أول أمره، انقسم الناس إلى قسمين مؤمن به ومصدق له، وكافر به وجاحد له، فكان الناس على هذا زمنا، ثم لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقيت القسمة على ما هي عليه، حتى إذا شرع الجهاد وجاءت معركة بدر الكبرى وانتصر المسلمون فيها على الكفار، حدث هناك قسم ثالث بين القسمين، ونبتت نبتة سوء مذبذبة بين الطرفين، قسم أخضعوا كل شيء حتى التدين لمصالحهم الشخصية وشهواتهم، فما اقتضته مصلحتهم اتبعوه، ولو كان فيه تبدل دينهم ودخولهم في دين آخر، فإنهم لما رأوا قوة المسلمين بعد بدر وعزتهم بالجهاد دخلوا في الإسلام لا عن رغبة فيه وإيمان بالله وتصديق برسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن تبعا للأقوى حيث هو الذي يخدم مصالحهم، وحيث يدرأون بذلك بأس الأقوى عنهم، فأظهروا الإسلام والإيمان في ظاهرهم وألسنتهم، وأبطنوا الكفر في قلوبهم وسرائرهم، وهؤلاء هم المنافقون، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة 8 - 10] وقال عنهم: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة 16] .

ثم إن نبتة السوء هذه كانت لها علامات وخصال، ولها أيضا عقائد وأعمال، ولها مع الشرائع مواقف وأحوال، أخبر الله تعالى عنها في كتابه، وأخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، وكان من أبرز تلك الأحوال وأكثر تلك الخصال هو حالهم مع الجهاد، ولا عجبا من ذلك، فهم نشأوا أصلا بسببه كما سبق، وذلك لأن الجهاد عبادة عظيمة، وفيها مشقة بالغة ومكروهات كثيرة، وذلك يحتاج إلى إيمان عظيم يحمل عليه، والمنافقون خليون من ذلك، فيفضحهم كل الفضيحة وتظهر به سرائرهم ومكنوناتهم.

والنصوص التي تبين حال المنافقين مع الجهاد كثيرة، فجاء في سورة آل عمران والنساء والمائدة والمنافقون والأحزاب وغيرها من سور القرآن ما يصف أحوالهم في الجهاد خاصة، بل أنزل تعالى في ذلك سورة كاملة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت