قال ابن حيان في البحر المحيط:"ومعنى (يتسللون) ينصرفون قليلا قليلا عن الجماعة في خفية، ولواذ بعضهم ببعض، أي هذا يلوذ بهذا، وهذا بذاك، بحيث يدور معه حيث دار، استتارا من الرسول."
وقال الحسن (لواذا) فرارا من الجهاد، وقيل: في حفر الخندق ينصرف المنافقون بغير إذن ويستأذن المؤمنون إذا عرضت لهم حاجة، وقال مجاهد لوذا خلافا، وقال أيضا (يتسللون) من الصف في القتال"انتهى."
وقال تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة 90] .
قال ابن كثير في تفسيره:"ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة، قال الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وجاء المعذرون) بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر، وكذا روى ابن عيينة عن حميد عن مجاهد سواء، قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رخصة، وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية، لأنه قال بعد هذا (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) أي لم يأتوا فيعتذروا"انتهى.
وآخرون لا يستأذنون قبل الذهاب لأنهم لا يضمنون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيأذن لهم، وإنما يعتذرون إليه بعد الرجوع من ذهابه بالأعذار الكاذبة مع الحلف معها، من أجل أن يعرض عنهم المجاهدون، ولا يعاتبوهم أو يؤنبوهم على قعودهم وتخلفهم، مثل قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح 11 - 12] .
وقال تعالى عنهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ