انظر إلى كلمة السنهوري هنا: (للفقه الإسلامي مكان ملحوظ بين المصادر الثلاثة التي استقى منها تنقيح القانون المدني) , وقارنه بقوله عن قانون نابليون: (أن نصوص التقنين القديم وأحكام القضاء المصري هي أهم مصدر استقى منه التقنين الجديد) لتدرك قلّة ماللشريعة من أهمية عند السنهوري وقانونه الجديد , ولذلك كان السنهوري صادقًا مع نفسه عندما قال إن الشريعة لا وجود لها مع القانون وأنّها تأتي في الترتيب الثالث بعد القانون والعرف كمصدر للقانون , فقد قال: (وجعل بعد ذلك كله الفقه الإسلامي مصدرًا رسميًا للقانون المدني , يأتي بعد النصوص التشريعية والعرف) .
وقد زاد السنهوري هذا الأمر وضوحًا وجلاءً , وجعله كلامًا قطعيًا لا يقبل التفسير ولا الجدل عندما امتنّ على المسلمين بأنه جعل الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للقانون.
قال السنهوري:
[وقد نصت المادة الأولى من التقنين الجديد على أنه (إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه , حكم القاضي بمقتضى العرف , فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية , فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة) .
ويتبين من ذلك أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرسمي الثالث للقانون المدني المصري. وهي إذ أتت بعد النصوص التشريعية والعرف , فأنها تسبق مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة] [1]
وهذا اعتراف صريح من السنهوري بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الثالث , وليست المصدر الأول ولا الرئيسي.
ولقد عارض السنهوري أشد المعارضة أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الأول للقانون , وذلك لأسباب عنده ذكرها بوضوح.
وقد تصور السنهوري أن وضع الشريعة الإسلامية كمصدر ثالث يزيد في أهميتها ويدفع إلى دراستها دراسة مقارنة لكي تماشي القوانين الأوروبية وتوافقها , وعندئذٍ فقط تصبح حاكمةً لأنها ستكون قد زالت عن حقيقتها كشريعةٍ منزلةٍ وصارت قوانين وضعية موافقة لمبادئ الغرب وأحكامه.
يقول السنهوري بعد كلامه السابق - أي بعد جعل الشريعة المصدر الثالث:
(1) - الوسيط 1/ 59.