رابعًا: السنهوري يرى طرح ما خالف القانون الوضعي من أحكام الشريعة
قال السنهوري:
[وفي رأينا أنه حيث ينبغي الرجوع إلى الفقه الإسلامي في كتبه المعتمدة , سواءً أكان هذا الفقه هو المصدر الرسمي الذي تستمد منه الأحكام أم كان هو المصدر التاريخي الذي تُفسَّر في ضوئه النصوص التشريعية , يجب أن يُراعى أمران جوهريان:
الأمر الأول: هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي , فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها , ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة , بل ولا للتقيد بالمذهب الحنفي في جملته.
ولعلنا نذهب إلى مدى أبعد , فنقول إنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة, فهناك مذاهب أخرى , كمذهب الزيدية ومذهب الإمامية , يمكن الإنتفاع لها إلى حد بعيد.
والأمر الثاني: هو أن يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق ما بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته. فلا يجوز الأخذ بحكم في الفقه الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ ,حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه. وفيما قدمناه من الرخصة في الأخذ بمذاهب الفقه جميعًاَ , دون تمييز بين مذهبٍ ومذهب , ما يجعل تحقيق هذا التنسيق ميسورًا , فلا يضل الباحث في تفصيلات الفقه الإسلامي , ولا يختار منها إلا ما يتّسق مع المبادئ العامة للتشريع المدني.] [1]
فهذا هو السنهوري ينادي بأعلى صوته , وفي وضوح وبيان وقطع , أن يكون القانون الوضعي هو الحاكم على الشريعة الإسلامية, فمتى وافقته أُخِذ بها , ومتى خالفته طُرِحت , ولا عبرة بها , لأن العبرة عنده هي مبادئ القانون الوضعي لا غير , وهذا هو الكفر الصراح , وهذا ردّ ظاهر لأحكام الشريعة الإسلامية , بل وكفر بأن يكون الله هو المشرِّع , بل طعن في علم الله وعدالته وتقديم لعلم المخلوقين وعدالتهم على علم الخالق وعدله.
فأي كفر فوق هذا الكفر؟ وأي باطل فوق هذا الباطل؟ وأي ضلال بعد هذا الضلال؟
(1) - الوسيط: 1/ 61.