فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 76

ولهذا كان التوحيد هو الذي يدعو إليه سائر الأنبياء, أن يعبدوا الله عز وجل لا إله غيره, وهذا النداء هو الذي وجهه الأنبياء إلى أممهم, وما من نبي إلا دعا قومه إلى ذلك, ولكن دعوة الأنبياء تتوجه إلى أعلى شيء تقع فيه المخالفة, وبهذا نعلم أن الداعي إلى الله جل وعلا إذا أراد أن يدعو قومًا فلينظر إلى أعلى شيء وقعت فيه المخالفة في أمة من الأمم ثم يتوجه إلى الخطاب إليهم بأعلى الشر إزالة, وألا يبدأ من أدناه, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مكة وكان عند كفار قريش من أمور الانحراف والضلال والبعد عن الحق ما ليس من أصل التوحيد, وذلك من مخالفات الأخلاق, ومن أمور اللباس والتعري وغير ذلك, والنبي صلى الله عليه وسلم كان يوجه الناس إلى توحيد الله جل وعلا, وليس متغافلًا عن غيرها, وذلك لأنه لم يحن ذلك الوقت, فكان يدعو الناس إلى توحيد الله جل وعلا, وربما دعا إلى شيء من ذلك على سبيل الاعتراض لا على سبيل الانشغال به, وهذا مهم لمعرفة تراتيب الشريعة, وأولى ما ينبغي للإنسان أن يدعو إليه, ويظهر هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا أن يبين الحق أمره أن لا يبين حقًا قبل توحيد الله جل وعلا؛ كما جاء في حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين وغيرهما لما بعث معاذًا إلى اليمن, قال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) , وجاء في رواية في البخاري قال: (إلى أن يوحدوا الله, فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة, فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) , الخبر, وهذا دليل على أن الإنسان ينبغي أن يدعو الناس ابتداء بالتوحيد, ثم يتنزل بمقدار المخالفة العارضة عندهم, فإذا استقر لديهم التوحيد فإنه يتوجه بالخطاب إلى ما دونه, وهو إقام الصلاة, فلا يتوجه إليهم بالخطاب بوجوب الزكاة إذا كان الخلل عندهم في أمر الصلاة ظاهر, وإنما يتوجه إليهم بأمر الصلاة ثم يتدرج بعد ذلك, ولهذا ما فرض الله عز وجل على نبيه الصلوات الخمس إلا بعد أن قرر التوحيد وبين معالمه واتضحت أحكامه فجاء بعد ذلك بفروع الإسلام وأصوله العظام مما يتعلق بأركان الإسلام الخمسة مما أولها التوحيد, ثم بعد ذلك الصلاة, ثم الزكاة, ثم الصيام, فالحج, ثم جاءت فروعها, في كل صلاة لها فروع, وكذلك أيضًا في الزكاة لها فروع وأحوال, وكذلك أيضًا في مسألة الحج لها فروع, وغير ذلك من الأعمال التي دل الدليل عليها, وما من شيء من العبادات العملية إلا وله شيء من أصله له أصل واجب أو متأكد, وما كان أصله واجب فإنه أعظم من غيره, فننظر من جهة تفاضل العبادات, فإذا كانت العبادة أصلها ثابت وثبوت ذلك واجب فإن ما كان أصله واجب أعظم مما ليس له أصل واجب, لهذا نقول: إن النفقات المالية أصلها الزكاة؛ من الصدقة والهدية وغير ذلك, والصلاة لها أصل وهي الفرائض الخمسة, فكل عمل نفعله له أصل واجب فهو أفضل مما لا أصل له واجب وإنما شرع على سبيل الاستحباب, وهذا من الأمور الضابطة في معرفة ما يجب من أحكام الشريعة وما يستحب, وهذا من القرائن التي يأخذ منها العلماء عليهم رحمة الله تعالى معرفة الواجبات من غيرها مما يكون مندوبًا, يأخذ الإنسان هذه الشريعة بأمر التسلسل, إذا انعدم الدليل من تأكيد الوجوب أو بيان النهي, وهذا كما أنه في المأمورات كذلك أيضًا في المنهيات, ما كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت