نزيد على ذلك, هم استحضروا هذا المعنى أنه يلزم له معاني, إذا لزمت له معاني قاموا بنفيه, قالوا: نعطل هذه الصفات؛ لماذا؟ حتى لا نثبت لله جسمًا, فإذا أثبتنا لله جسمًا أثبتنا له محيطًا وأثبتنا له جهة, وأنه يحد سبحانه وتعالى, فمن الذي يحد الله سبحانه وتعالى؟ أخذوا بتعليلات تصوروها في ذات الإنسان.
كذلك أيضًا تولد لديهم جملة من المسائل حتى في استواء الله عز وجل على عرشه, إذا نزل إلى السماء الدنيا؛ هل يبقى مستويًا أو لا يبقى مستويًا؟ إذا نزل الله إلى السماء الدنيا هل يخلو عرشه منه أو لا يخلو منه؟ وهل يبقى على السماء الدنيا في اختلاف الثلث الأخير من الليل أم لا يبقى؟ هذه اللوازم الذي ولدوها ناشئة عن تشبيه؛ لأن الإنسان يرى في ذهنه أنه إذا خرج من داره إلى عمله خلت داره منه وانشغل عمله, إذا خرج إلى المسجد خلت داره وبقي في المسجد, وكذلك أيضًا العكس, فنشأ ذلك عن تشبيه فوقعوا في هذا التوسع, ولهذا نقول: إن الإنسان يثبت ما أثبته الله عز وجل لنفسه ولا يتعداه, ولا يسأل عما عداه؛ لأن الإنسان لا يخرج عن الخبر السمعي إلا للتحليل العقلي, وهو في حق الله سبحانه وتعالى يجب التوقف عند خبر السماء؛ حتى لا يتوسع الإنسان في ذلك, وأهل الحديث والسنة ظلموا من طوائف في هذا الباب, سواء كان الغلاة أو الجفاة, الغلاة في هذا الباب الذين يقولون: أنتم تثبتون هذا الشيء فيلزم منه هذا الشيء وأنتم تتناقضون ولا تثبتونه, لماذا لا تثبتونه؟ والجفاة الذين يقولون: أنتم تسبون الله سبحانه وتعالى بإثبات وصفه بأشياء يلزم منها أخطاء, ويلزم منها نقائص, وهؤلاء دفعهم ذلك إلى التعطيل, ولهذا يقول العلماء: إن كل معطل مشبه, وذلك أن الإنسان لا يمكن أن يعطل صفة لله إلا وقد انقدح في ذهنه تشبيهًا نفر منه, فاستقر في قلبه التشبيه ثم هرب منه إلى التعطيل.
[وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة, يراه أهل الجنة بأبصارهم, ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء] .
هنا ذكر في رؤية الله سبحانه وتعالى وقيدها في الآخرة, وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل لا يرى في الدنيا, واختلف العلماء في مسألة رؤية الله جل وعلا في موضعين:
الموضع الأول: في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه, وهل رآه حقيقة أو رآه منامًا؟
الثاني: في رؤية سائر المؤمنين لربهم في المنام, هل يرى المؤمن ربه وهل يمكن ذلك أم لا؟ ويتفق أهل السنة على أن الله سبحانه وتعالى لا يراه المؤمنون في الدنيا على الحقيقة, وإنما جعل الله عز وجل ذلك في الآخرة لأهل الإيمان, قالوا: وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة, يراه أهل الجنة بأبصارهم, وقوله هنا: بأبصارهم, أراد دفعًا لمن ينفي رؤية الله سبحانه وتعالى فأراد أن يبين أن الرؤية حقيقية لله سبحانه وتعالى؛ كما في قول الله