ويخشى أن يشوش على الناس؛ كالذي مثلًا يؤذن في أذان أبي محذورة في بلد لا يؤذنون بذلك، أو عوام هذا تمحض لديه وضوحًا وثبوت الدليل في ذلك هل له أن يقيم وأن يؤذن في الناس على مثل هذا ويفرق الناس ويعجبون من هذا؟ لا، الناس مثلًا في بلد من البلدان يقرءون مثلًا قراءة حفص عن عاصم ويريد أن يقرأ في هذا البلد بقراءة غيره وربما تغير وظنوا أن هذا يعبث بالقرآن أو يلعب أو يزيد أو ينقص لعامة الناس وبعدهم عن معرفة هذه الأمور، وهو يتمحض لديه وذلك أن القراءات متواترة، فهل له أن يفعل ذلك أم لا؟ نقول: لا يفعل ذلك ولو تمحض؛ لأن هذه المسائل من المسائل اليسيرة, لا يلزم من تمحضها أن يقوم الإنسان بشق الصف فيها، وماذا يفعل؟ يقوم بتعليم الناس قبل العمل، تعليم الناس في هذا العمل حتى تتوطن وتقبل نفوسهم بمثل هذا الأمر، وإذا تأكد الأمر فهل جمع الناس في الباطل من الأمور الأصول على خلاف الحق أولى من تفريقهم عن الحق؟ نقول: لا، تفريقهم على الحق أولى من اجتماعهم على الباطل، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى كفار قريش وهم مجتمعون، ففرقهم بالحق، صالح جاء إلى قومه وهم مجتمعون فجعلهم فريقان يختصمون، جعلهم فريقين، ولهذا نقول: إن الاختلاف على الحق أولى من الاجتماع على الباطل، هذا في الأصول، ما يتعلق في أمور الفروع ينظر فيه، ولهذا من الحكمة لطالب العلم ألا يثير مسائل عند العامة تحدث شق صف أو صدع أو غير ذلك بينهم, وإنما يتدرج بأسلوب التعليم حتى تتوطن النفوس على ذلك.
قال:"ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة"، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ، وهذا جاء أيضًا في هذا خبر قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن شذ شذ في النار) , وذلك من خالف أمر الجماعة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا في السنن من حديث أبي الدرداءقال عليه الصلاة والسلام: (عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) ، تحذيرًا من الشذوذ عن أمر جماعة المسلمين.
[فإن الجهاد ماض مذ بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء] .
وهذا على ما تقدم معنا في حديث جابر بن عبد الله في الصحيح، وحديث أبي هريرة تقدم معنا في مسألة ديمومة الجهاد، كذلك أيضًا في حديث يزيد عن أنس بن مالك وحديث عبد الرحمن بن زيد عن أبيه مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الجهاد حلوًا خضرًا ما نزل القطر من السماء) ، وغير ذلك من الأحاديث العاضدة لهذا الأصل، ومع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء، لا يبطل ديمومته، وقد