تردد في شيء بينه الله؛ كحال الإنسان الذي يقول: لا أدري الزنا حرام أم حلال، الخمر حرام أم حلال، هذا خرج من القول بتحريمه، وخرج من القول بإباحته، فبقي بين الأمرين، ومجرد الشك في ذلك جرم في ذاته؛ لأن الله عز وجل قد بين حقيقته وأمره.
[ومن وقف في القرآن جاهلًا عُلِّم وبُدِّع ولم يكفر] .
يقول:"ومن وقف في القرآن عُلِّم وبُدِّع ولم يكفر"، الجاهل في ذلك هل يعذر بإطلاق أو لا يعذر بإطلاق؟ أم يعذر وما مقدار عذره فيما بين ذلك؟ نقول: الأصل في أصول الإسلام ومعالمه أن الإنسان لا يعذر بجهله في أصول الإسلام العامة، لا يعذر الإنسان بجهله، أما هل هذا على إطلاقه أم لا؟ نقول: نحن نتكلم هنا على مسألة من المسائل وهي لمن كان داخل دائرة أمة الإسلام, وأما من كان ليس داخلًا في دائرة الإسلام كمن يكون في بلد ناء من بلدان الشركية؛ كالقرى البعيدة مثلًا في أقاصي أفريقيا أو في القرى الهندية البعيدة حتى عن حواضر الهند في ذاتها فضلًا أن تكون بعيدة عن حواضر الإسلام فلا يصل إليها شيء وهم على غير ملة الإسلام هل هؤلاء نقول بأنهم ليسوا بمعذورين؟ نقول: هؤلاء معذورون؛ لأنهم ما سمعوا بشيء يدعو إلى الإسلام حتى يتبعوا، وما هو المقدار في ذلك من مسألة العذر في الجهل وكيف يعذر؟ نقول: العذر بالجهل ينظر فيه إلى ثلاث جهات:
الجهة الأولى: أن ينظر إلى المسألة المجهولة وقيمتها في الدين، ما كان من أصول الإسلام وأموره العظام الأصل فيها عدم العذر، وأعلى هذه الأصول هو وجود الله سبحانه وتعالى وتصرفه بالكون وتدبيره له، لا يعذر أحد بذلك؛ لأن هذا أقوى الأشياء في فطرة الإنسان فضلًا عن شرائعه سبحانه وتعالى، فالدليل في ذلك قائم من الحس والفطرة, والنظر, وقائم كذلك أيضًا في السمع من الوحي من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلي بعد ذلك ما يتعلق بالرسل؛ رسل الله عز وجل، وما يتعلق أيضًا بالأصول العظيمة التي شرعها الله سبحانه وتعالى للناس من تحريم القتل وغير ذلك فيها على مراتب تذكر بحسبها.
فلا نجعل مسائل الدين على مرتبة واحدة، المسألة المجهولة، أصول, كلية, عامة, وفرعيات، الفرعيات تختلف عن الأصليات، فالذي يجهل شريعة من الشرائع؛ مثلًا يجهل العمرة ولا يعرف أحكامها ولا يدري عنها ولم يسمع بها يختلف عمن يجهل الحج أو يجهل الصلوات الخمس، فإذًا هي على مراتب، أو من يجهل ما دل عليه الدليل من الشرع والطبع، يختلف عمن يجهل شيء دل عليه الدليل من الشرع فقط؛ لأن ما دل عليه دليل من الشرع والطبع أعظم عند الله، والعذر فيه أضيق حتى يعدم؛ وذلك مثل القتل، القتل هل هو بحاجة إلى نص سمعي، أم الفطرة دالة عليه قبل أن يرد النص؟ الفطرة دالة عليه قبل أن يرد النص، ولهذا