الحلال والحرام, النوع الثالث: ما يأتي من أخبار, وذلك من حوادث ونوازل, ويدخل في النوع الثاني ما يتعلق بأمور الآداب والسلوك, وذلك لدخولها في دائرة الأحكام التكليفية, وذلك أن من الآداب ما هو مستحب وهو الغالب, ومنها ما هو واجب, أوجبه الله سبحانه وتعالى لأدلة خاصة به, وذلك مما يتعلق بأمور أداء الأمانة, والصدق في الحديث, والوفاء بالعهد وغير ذلك, فهي من جملة الآداب المؤكدة بأدلة خاصة دل الدليل على وجوبها.
الشرائع السماوية تتحد وتتفق على توحيد الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لتعلقها بالخالق, والخالق سبحانه وتعالى حقه على العباد واحد, وكذلك أيضًا معرفته قائمة بمعرفة ذاته, وذات الله جل وعلا واحدة, لا يتغير الله عز وجل ولا يتحول سبحانه وتعالى, ولما كان كذلك اتحدت هذه الشريعة وهذا الوحي على بيان هذه الأدلة على نحو واحد وإن اختلفت من جهة الصياغة والعبارة واللغة, منذ أن أنزل الله عز وجل وأهبط آدم وحواء إلى الأرض, بل ما قبل ذلك إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها, وإلى قيام الساعة وما بعدها, فالله عز وجل واحد في ذلك, وأوصافه سبحانه وتعالى واحدة لا تتغير ولا تتبدل, وذلك أن تغير الأحوال والصفات أمارة على تغير الذات, والله جل وعلا لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحول سبحانه وتعالى, لهذا اتفقت دعوة الأنبياء على توحيد الله جل وعلا, والدلالة إليه, وبيان وصفه, فأسماء الله وصفاته هي التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر عنها عيسى وموسى ويوسف ويعقوب وإبراهيم الخليل وغيرهم من أنبياء الله سبحانه وتعالى هم الذين أخبروا بها على حد سواء, ولكن الله عز وجل قد يخص أمة من الأمم بنبي من أنبيائه ببيان اسم له أو ببيان صفة له لا يخبر بها الآخر وهي على الحقيقة ثابتة, ولكن عدم العلم بها عند أقوام لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى, وبهذا نعلم أن المعلوم الذي يجب على كل أحد أن يتعلمه هو توحيد الله سبحانه وتعالى, فهو واجب على الأعيان, وذلك أنه لا تقوم ديانة ولا يثبت إيمان إلا بمعرفة التوحيد, والأصل في سائر العلوم أن العلم الذي يقوم به الشيء هو آكد من غيره, وبهذا نعلم أن الله جل وعلا جعل قوام الإنسان في بدنه من جهة مطعمه ومشربه يقوم على نوع لا يستغني به الإنسان عن غيره؛ كالماء, فالله جل وعلا جعل كل شيء حي منه, ولهذا نقول: إن الماء واجب على كل أحد أن يتناوله لقيام بدنه به, بخلاف تنوع ذلك في أمور الأطعمة من المأكل والمشرب, قد يتناول طعامًا ولا يتناول الآخر, ويتنوع في ذلك, وهذا شبيه بأمر الشرائع, فإن الدين الأصل لا تتحقق العبودية به لله سبحانه وتعالى إلا بثبوت الأصل فإذا انتفى عنه انتفى إيمانه ومات, ولهذا كانت سائر الشرائع التي أنزلها الله جل وعلا على أنبيائه على اختلافهم تتفق على بيان توحيد الله سبحانه وتعالى, وهذا دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتعلم التوحيد أول ما يتعلم؛ لماذا؟ لأن قوام الدين به, كما أن قوام الأبدان عند سائر الناس لا يكون إلا بالماء, ثم يتفرع عن ذلك من أمور المهمات التي تتباين في أحوال الناس, وذلك بحسب أهميتها ونفعها المتعدي على بدن الإنسان, منها المتأكد ومنها ما دون ذلك,