الإيمان بالميزان حق؛ وذلك لثبوته في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف:8] , فالله سبحانه وتعالى أثبت الميزان, وأثبت الله جل وعلا أيضًا ثمة ميزان للحسنات وثمة ميزان للسيئات, والناس في ذلك على نوعين: أناس يوزنوا, وأناس يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, ممن يكتب الله سبحانه وتعالى له ذلك, وهل يعني من دخول الإنسان من غير حساب ولا عذاب أنه لا يعلم ما عمل, يعلم ما عمل, ولكن لا يكون ذلك محاسبة ومعاقبة, والناس في الميزان يوم القيامة, وعلى ما تقدم, له كفتان من جهة الوزن, منهم من يوزن له عمل واحد, ومنهم من يوزن له عملين, من يوزن له العملين وهم أكثر الخلق وذلك الذين لديهم حسنات وسيئات, فإن غلبت الحسنات كان من الجنة, وإذا كان لديه سيئات غلبت لم يغفر الله له أدخله الله عز وجل النار, من يوجد له عمل واحد على نوعين: إما حسنات فقط, وإما سيئات فقط, الحسنات فقط, الذين ليس لديهم سيئات توزن, إما أن الله عز وجل غفرها قبل ذلك, وإما أنهم لم يفعلوها ولم يبق لديهم شيء, وذلك للبعض والندرة من الخلق, وذلك لا يعني عدم جريان المعصية من الإنسان, بل تجري عليه, بل إن الله أورد شيئًا من التكفير لها؛ كما جاء في الخبر: (إن المصيبة لتلحق العبد, والبلاء لينزل بالعبد حتى يمشي في الأرض وليس عليه ذنب) , من يوزن له عمل السيئات, وذلك للمشرك؛ لماذا لأنه ليس لديه حسنات, وما يفعل تعجل له طيباته في الدنيا, فلا توزن السيئات, وما فائدة وزن السيئات؟ حتى يعرف عقابه بنفسه, وهل الله جل وعلا يحصي على العباد الذنوب ليعلم هو أم ليعلموا؟ ليعلموا, ولهذا الله عز وجل يجعل الملكين رقيب وعتيد, ويجعل من يكتب على العبد ويحصي عليه؛ ليعلم الإنسان, لأن الإنسان عنيد, ولا يقبل شاهدًا ولا بينة, فأراد الله عز وجل أن يقيم الحجة عليه, وأن يعلمه بنفسه بالدلائل وشهود البينة, لا أن يعلم الله, تعالى الله عز وجل عن ذلك, فالله يعلم بلا هذه الأسباب, ولهذا الله سبحانه وتعالى يحصي على عبده ويجعل الكتبة ليشهدوا على العبد, ليقروا العبد ويعلموه بذنبه فيعرف، ومع ذلك يأبى الإنسان إلا شاهدًا من نفسه, فينطق الله عز وجل أعضائه لتشهد عليه, إذًا الله سبحانه وتعالى يريد من ذلك أن يقر العبد على نفسه, حتى إذا عذب في ذلك عذب بأمر يقتنع به ويقتنع به من يراه, وهذا كمال العدل, وإذا كان الله سبحانه وتعالى وهو أعدل العادلين جل في علاه لن يعاقب عباده بلا بينة له, وبعلمه فقط فغيره من باب أولى, ألا ينزل العقوبة على أحد لعلمه فقط, فلا يجوز للقاضي ولا يجوز للحاكم أن ينزل عقوبة لعلمه, وإنما لا بد من ورود بينة, فإذا رأى القاضي أو الحاكم أحدًا يزني لا يقيم عليه الحد حتى يأتي بشهود؛ رأى أحدًا سكران, ليس له أن يأخذ به إلى المحكمة ويقيم عليه الحد لا, حتى يأتي بالشهود عليه؛ لأن الشريعة ما جاءت بأن يقام الحد فقط, لا, جاءت أيضًا بما هو أبعد من ذلك, بإنزال العقوبة, وقطع العذر أيضًا عن الناس أن يقال: ظلم هذا الرجل بإنزال عقوبة عليه, فإذا قامت البينة عليه دل على عدل الإسلام وإنصافه, وقطع الحجة والأعذار عند أهل الأهواء والتربص.