سبحانه وتعالى: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] , وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر, هل تضامون في رؤيته) , فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه الرؤيا بالرؤيا لا المرئي بالمرئي, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لا يتزاحمون على رؤية الله سبحانه وتعالى فيضر بعضهم ببعض, فأراد أن يشبه حال الناس في رؤية الله سبحانه وتعالى.
قال هنا: يراه أهل الجنة بأبصارهم, ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء.
وذلك أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام يوم القيامة ويسمعه الخاص ويسمعه العام, يكلم عبده وكلامه في الآخرة على نوعين: خطاب خاصة, وخطاب عامة. خطاب الخاصة أن الله عز وجل يخاطب بعض عباده في الآخرة بفضله, وذلك كإقرار الله عز وجل لعباده بالذنوب والمعاصي وغير ذلك, فهذا خطاب خاصة, وخطاب العامة: النداء الذي يخاطب الله عز وجل به الناس كافة؛ كما جاء في حديث عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب, فيقول: أنا الملك, أنا الديان, لا ينبغي لأحد من أهل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق, ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقص منه حتى اللطمة) , وهذا دليل على الخطاب العام في ذلك, وهذا على اعتبار, وثمة خطاب آخر له اعتبارات عدة كالعلماء, ولكن الله سبحانه وتعالى يخاطب عباده في الآخرة.
وقوله:"يراه أهل الجنة بأبصارهم", أراد هنا أن يبين أن أهل الكفر وأهل النار لا يرون الله سبحانه وتعالى, وينبغي أن نقول: أن رؤية الله سبحانه وتعالى تكون لأهل الجنة, ويتفق العلماء على أن من دخل النار لا يرى الله سبحانه وتعالى؛ لأن رؤيته نعيم, وأما الكلام فيمن لم يدخل النار قبل دخوله لها ممن استحق النار هل يرى الله جل وعلا ثم يحجب عنها تشديدًا في العذاب, وذلك يستدلون بقول الله سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] , أي: أنهم رأوه ثم حجبوا عنه, والصحيح في ذلك أن المشركين قبل دخول النار وبعد دخول النار لا يرون الله؛ لأن رؤيته نعيم.
وفي قوله:"ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء", لأن الخالق يتصرف بالمخلوق ولا يتصرف المخلوق بالخالق, فجعل المشيئة لله لا لعباده, فهو الذي ينعم على عباده كيفما شاء سبحانه وتعالى, ولهذا قال: يراه أهل الجنة بأبصارهم, ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء وحده سبحانه وتعالى.