بخلق القرآن مئات من السلف، وقد أُحصوا أنهم نحو خمسمائة، ومنهم من يقول: ألف إمام الذين نصوا على كفر من قال بخلق القرآن أو حرف من القرآن مخلوق, وهنا يريد أن يبين حقيقة الكفر, فقال:"فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة"، هذا هو قول أبي حاتم وأبي زرعة أو من أدركنا من علماء الحجاز وعلماء الشام وعلماء العراق وعلماء اليمن, هم من أدركوا من هؤلاء العلماء.
وينبغي أيضًا أن نعلم أن المسائل البدعية والضلالية إذا تقادم عليها الزمن رقت في قلوب الناس، ولكن ميزانها من جهة الحقيقة واحد ولو توطن عليها الناس.
قال:"ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر"، هنا أحال الأمر إلى الفهم؛ لأن الذي شك في كفره لم يقل بقوله وإلا لدخل في حكمه وما سئل عنه، ولكنه يقول بخلاف قوله وما أدرك شناعة قوله، إذا كان يدرك قوله وحقيقته فهو كافر.
قوله هنا:"ممن يفهم"يدلنا إلى مسألة من المسائل وهي ما يسمى بفهم الحجة عند العلماء، لدينا مسألتان:
المسألة الأولى: إقامة الحجة، المسألة الثانية: فهم الحجة.
إقامة الحجة أن يؤدي الإنسان الحجة لمن يريد أن يحتج عليه بلغة يفهمها لو أراد أن يفهم، تخاطبه بالعربية إذا كان عربي، وهو في حال يقظة لا في حال منام، وفي حال انتباه لا في حال شغل، وإذا خوطب بشيء من أمر آخر من أمر دنياه ونحوه أدرك فهو حينئذ قامت عليه الحجة، فلا تخاطب العجمي بالعربية ولا العربي بالأعجمية؛ لأنه على لغة لم يفهمها لو أراد أن يفهم لم يستطع ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل حجته لا تقوم على الأمم والشعوب إلا ببعث نبي بلسان قومه، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل كلامه وهو أعظم كلام على لسان من أراد أن يبعث إليهم الحجة حتى تقوم الحجة، كذلك أيضًا بالنسبة للداعي، إذا أراد أن يبلغ الحق عليه أن يبلغ الحق بلغتهم التي يريد أن يقيم الحجة عليهم بها وهم يتكلمون بها.
الثاني: هو فهم الحجة، تقدم معنا بمسألة الإقامة، إقامة الحجة؛ أن الشريعة اكتفت بتبليغها وأن يكون الإنسان حاضر الذهن على لغة يفهمها لو أراد أن يفهم؛ لأن الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ [التوبة:6] ، أو قال يفهم؟ قال: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] . الثاني: هو الإفهام، لدينا في الشريعة ربط الإفهام بالأسماء والأحكام، وهل يلزم من ذلك تعطيل الشريعة للإفهام أم لا؟ الشريعة لم تعطل للإفهام، ولكنها فرقت بين إقامة الحجة وفهمها، فمن قامت