العذر في فرد والعذر في فرد آخر, وعدم العذر في مسألة والعذر في مسألة أخرى، يعرف الإنسان هذه المواضع وهي التي يجري عليها العلماء غالبًا في مسألة العذر بالجهل.
وهنا في قوله:"ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر"، إنما قال المصنف عليه رحمة الله هذا الكلام؛ لأن هذه المسألة شاع القول بها ولبس على الناس في ذلك الزمن, وقام بتأييد ذلك سلاطين وحكام ودعم ذلك والتمكين لمن يقول بهذا القول، ومواجهة من يقول بخلافه، وكذلك أيضًا فإن هذه المسألة لم تكن منصوصة صراحة ووضوحًا في الشريعة يفهمها العجم، خاصة مع العلم أن العجم من المسلمين أكثر من العرب، مع دخول العجمة أيضًا واستفحالها في زمن الفتوحات وكثرتها ثم أرادوا أن يبحثوا في النصوص ولم يجدوا نصًا يقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، لم يجدوا هذه العبارة، ويرونها مكتوبة في الأوراق وغير ذلك فيلبس على باطل، وكأن المصنف رحمه الله جعل ابتداء الجهل بذلك عذر فتقام عليه الحجة فيرتفع حينئذ العذر؛ لأن هذه مما يقع فيها الجهل حال انتفاء القائمين بذلك والمعلمين لمثل هذا الحكم، فإذا كان في بلد يظهر فيها الجهل ويقل في ذلك العلم مع التباس المعاني في ذلك فإن هذا مقياس من مقاييس اعتبار الجهل والعذر.
[ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي, أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي] .
وهذا من المسائل المولدة عن المسألة الأم وهي القرآن مخلوق أو ليس بمخلوق، الذين قالوا بأن القرآن مخلوق لما ووجهوا بالأدلة من الكتاب والسنة بأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى تكلم به على الحقيقة، أخذوا يولدون مسائل ويقولون أو ناس يتوسطون ويقولون: إن كلامي أو لفظي بالقرآن مخلوق، منهم من يسكت عن أصل القرآن ومنهم من يقول: القرآن ليس بمخلوق لكن لفظي بالقرآن مخلوق، ويريد بذلك أن يخلط بين الصوت وبين الكلام، والله سبحانه وتعالى قد أثبت أن الكلام كلام الله ولو تكلم به المتكلم، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أثبت أن الصوت صوت القارئ؛ كما في قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) ، فجعله هو القرآن ولو خرج صوتك به، وفي قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] ، فهو كلام الله ولو تلفظت به أنت، فإذا قرأت القرآن وقال لك أحد: كلام من هذا؟ تقول: كلام الله، وهذا أيضًا تجده -ولله عز وجل المثل الأعلى- في حال الإنسان إذا أراد أن ينقل قولًا، يقول: هذا الكلام لمن؟ تقول: كلام لفلان، الصوت لمن؟ هذا صوتي، والكلام كلام الله، ولهذا يريدون التلبيس في هذه المسألة, وكذلك أيضًا الرد على من يقول بأن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق، ولهذا العلماء يقولون: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي, يعني: سلك طريقة