الملحد، والوثني، واليهودي والنصراني يعلمون بأن القتل مستقبح ومنبوذ ولا تستقيم الحياة به، فيعلمون أنه ممنوع ولكن يختلفون في ردع القاتل، إذًا فطر الله عز وجل الناس على هذا الأمر، فدل الدليل الشرعي عليه، فاجتمع دليل شرعي ودليل طبع، ودليل الشرع ودليل الطبع يختلف عن مسألة لم يدل عليها إلا دليل الشرع؛ وذلك كمسألة الحج، فالذي يجهل أو يدعي الجهل بحكم القتل أعظم عند الله ممن يدعي الجهل بالحج؛ لأن الحج ينفرد به الشرع.
الجهة الثانية: تقدم الجاهل، ونوع الجاهل وحاله، هل هو جاهل حديث عهد بكفر, حديث عهد بجاهلية أم جاهل قديم في الإسلام يدعي الجهل؟ يختلف بين هذا وهذا، ولهذا (الصحابة عليهم رضوان الله لما كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومروا بشجرة كان المشركون ينوطون بها أسلحتهم قالوا: يا رسول الله, اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) ، إذًا النبي صلى الله عليه وسلم حمل هذا القول على أنه شرك، لكن هل كفر وشرك القائلين؟ لا؛ لأنه قال في الخبر قال: (ونحن حدثاء عهد بجاهلية) ، لهذا قد تتفق المسألة المجهولة ويختلف الحال وهي الجهة الثانية؛ الجاهل، فنفرق بين جاهلين في مسألة واحدة، فلو أن إنسانًا في المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من التابعين بعد استقرار الإسلام قال: أريد ذات أنواط، هل يختلف عن الحالة أو لا يختلف، المسألة واحدة أو ليست بواحدة؟ هي واحدة، هذا الثاني لا نعذره والأول عذرناه، هذا لأنه في بيئة إسلام وذاك حديث عهد بجاهلية؛ نظير هذا أيضًا لديك نصراني لم يعش في بلدان المسلمين حتى يعلم منهم أن الخمر حرام, وهو يتناول الخمر بناء على ما يعلمه من دينه, ثم دخل الإسلام، فأصبح سكرانًا في صبيحة إسلامه أو بعدها بيوم أو أيام, ثم احتج قال: لم أعلم أن هذا محرم في الإسلام، ورجل آخر شرب الخمر معه وأصبح سكران، وهم من أهل الإسلام، وكل منهما ادعى الجهل، أيهم يقبل وأيهم لا يقبل؟ يقبل حديث عهد بنصرانية ولا يقبل ذاك، ولا يقبل هذا.
الجهة الثالثة: البلد التي وقع فيها الجهل، لدينا مسألة مجهولة ولدينا جاهل ولدينا بلد جُهِل فيها أو الأرض التي وقع فيها الجهل، جاهل في مكة يختلف عن جاهل في أفريقيا أو في الهند أو في السند أو غير ذلك؛ لماذا؟ لأنه قريب موضع بموضع العلم, فيسمع الناس ويتحدثون, ويلتقون بالناس بالمشاهدة، قطع العذر عليه، قد يقول قائل: ألا يحتمل ولو واحد بالمائة أنه جاهل في هذه المسألة الظاهرة؟ نقول: يحتمل أنه واحد بالمائة وربما خمسة بالمائة أنه فعلًا ليس لديه علم لكن لا نعذره؛ لماذا؟ لأنه هو الذي قصر في عدم رفع الجهل عن نفسه، لأن الله عز وجل أوجد الخلق لعبادته أم ليضربوا في الأرض؟ لعبادته، فلماذا لم يستقصي بمعرفة أن الصلاة واجبة عليه؟ وهو في موضع إيمان وبلد إسلام ثم يقول: لا أدري أن الصلاة واجبة أو لا أدري بأن الحج واجب، أو أنه ركن من أركان الإسلام، لا يعذر بهذا ويعذر البعيد النائي، لهذا نقول: هذه الجهات إذا ضبطها الإنسان عرف وجوه الاختلاف في عدم العذر في موضع والعذر في موضع, وعدم