الجهمية ووطأ عتبتهم الأولى في القول بخلق القرآن، قال:"أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي", والمعنى في ذلك متقارب.
[قال أبو محمد: وسمعت أبي يقول: وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر] .
وهذه عادة أهل البدع؛ لأنهم لا يستطيعوا أن يقعوا في الأثر بعينه فوقعوا في الحملة؛ كحال المنافقين لا يقعون في الوحي؛ لأنه يكشف أمرهم وردتهم فيقعون في الحملة وهم الصحابة، ولهذا كانوا يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، ما قالوا القرآن، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، ولهذا من عادة أهل البدع أن يتوجهوا إلى رموز الإسلام لا يتوجهوا إلى الإسلام ليسقطوا رمزية الإسلام ويسقطوا الحملة، وهذا ظاهر بالتوجه لأهل السنة وأهل الأثر وعلماء الإسلام؛ لأنهم حملة الإسلام، فإذا سقط الحامل سقط تبعًا له المحمول، وهذه قاعدة، فيشككون بذلك بهذه الطريقة؛ لأنهم اشتركوا بحمل السنة، ثمة علماء في الشرق والغرب والشمال والجنوب في الشام والعراق ومصر والحجاز وغيرها من بلدان المسلمين، ثمة علماء يدعون إلى الأثر، لماذا يسبونهم مع اختلاف بلدانهم؟ لم يجمعهم لون ولا عرق ولا لغة ولا نسب ولا حسب, ما اشتركوا إلا بالأثر، إذًا فالوقيعة فيهم إنما لأمر اشتركوا فيه.
[وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الآثار] .
وهذا على ما تقدم سواء يصفونهم مثلًا بالمجسمة أو الحشوية؛ وذلك لأنهم يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى على وجه الحقيقة؛ لماذا؟ لأنهم إن أثبتوا تنقدح في أذهانهم لوازم هم هربوا منها، فعطلوا أسماء الله عز وجل، إذًا عقيدتهم أثبتوها لأجل تشبيه، فإذا أثبت أهل السنة لله عز وجل الأسماء والصفات قالوا بلوازمهم التي فروا منها وأهل الأثر لا يلتزمون بذلك.
[وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة] .
وهذا على ما تقدم معنا أن الطوائف في أبواب الأسماء والصفات ثلاثة: طرفان ووسط، الذين يغلون في الإثبات يقبحون أهل السنة في إثباتهم للصفات وعدم الأخذ باللوازم والإطراد في ذلك والتوسع، والمعطلة يقعون فيهم لأخذهم في ظنهم بلوازم متوهمة وهم لا يقولون بذلك, لا يميلون إلى لوازم غلاة المثبتة ولا أيضًا يعطلون كما يعطل أهل التعطيل في ذلك وإنما يقفون وسطًا امتثالًا لقول الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .