فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 76

المقترن معها, الصبر المقترن معها هو الذي يكفرها, فمن وقع في مصيبة فتسخط وتضجر وسب وشتم ولعن ولم يصبر فهذا لا يؤجر على مصيبته ولا يكفر الله عز وجل بها, وقد يجمع الله عز وجل التكفير مع وجود السخط؛ لأن السخط دون عظم المصيبة, فالذي يتسخط من شوكة يختلف إذا تسخط من فقد مال وولد, فتسخطه الذي تسخط بالشوكة ربما أتى على أجر مصيبة الشوكة لكنه لا يأتي على أجر مصيبة فقد الولد كله, فينقص من أجر صبره بمقدار زوال الصبر من ألم المصيبة, والله عز وجل عدل في ذلك, ينصف عبده في حقه, ومن المكفرات أيضًا: دعاء غير الإنسان له؛ وذلك أن يدعو الإنسان لغيره بأن يغفر الله له وأن يتوب عنه, وأن يتجاوز, وهذا أصل في مشروعية الدعاء للغير, وإلا ما شرع الدعاء للغير بالاستغفار, إلا لأن الله عز وجل يخفف أو يزيل ذنب ذلك الإنسان بدعائك له, ومن المكفرات أيضًا: ما يأتي من امتحان وفتنة للإنسان في حياة البرزخ, ومن المكفرات أيضًا: ما يجد الإنسان من شدة من الوقوف في عرصات يوم القيامة, يخفف الله عز وجل على عباده, هذه المكفرات كلها لا تأتي على الشرك إلا التوبة والاستغفار, التوبة والاستغفار يأتي على الشرك بعينه, أما بقية المكفرات لا تأتي على الشرك؛ لعظمه وغلظه, فلو أصيب الإنسان بمصائب وهموم مدى الدهر ما دام مشركًا لا تأتي على الشرك, حتى يتوب الإنسان إلى الله عز وجل وينيب إليه, ويوحده سبحانه وتعالى, إذًا تأتي على ما دونها, فالمصيبة بمقدارها.

وكذلك أيضًا كما أن الله جل وعلا يجعل الحسنات تذهب السيئات فالله جل وعلا أيضًا يجعل السيئات تذهب الحسنات, وهذا موضع خلاف عند أهل السنة على قولين, والأرجح في ذلك أيضًا أنه كما أن الحسنة تذهب السيئة فالسيئة أيضًا تذهب الحسنة ولكن دون إذهاب الحسنة بالسيئة؛ لأن رحمة الله عز وجل تسبق غضبه وسخطه, والأدلة في ذلك في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة, ونقول: إن تكفير أو محو السيئة للحسنة على نوعين: مقابلة, يعني: نقض الحسنة بضدها؛ كالمن والأذى الذي يلحق الصدقة, لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264] , المن والأذى معصية, امتنيت على المال بذاته أو امتنيت بمال غيرك, فأنت عصيت الله عز وجل في هذا الأمر, فإذا مننت بصدقتك أبطلت أجرك, الثاني: غير مقابلة, وهو: أن يبطل الله حسنة بذنب من غير جنسه ولا يقابله؛ كإبطال أجر ذكر بذنب آخر كزنا أو شرب خمر أو غير ذلك, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] , والخطاب هنا يتوجه إلى الصحابة, وجاء ذلك في خيرة الصحابة عليهم رضوان الله, وكذلك أيضًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة , قالت عائشة لأم زيد بن أرقم لما تبايع بالعينة: (أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب) , وذلك أنه أبطل أجر الجهاد بذنب عظيم وهو: العينة؛ لكونه صنف من أصناف أكل أموال الناس بالباطل, ولهذا نقول: إن المعصية تأتي على شيء من الطاعات, ولكن هذا له تفصيل في مسألة رجوع ذلك إلى عمل القلب, وعظم ذلك العمل, مع تعظيم ذلك القلب, وكلما عظم العمل مع استحضار هيبة الله فإن العمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت