فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 76

على إحيائها وهي رميم, ولهذا لما اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: من يحيي العظام وهي رميم؟ ماذا قال الله جل وعلا؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79] , هو الذي أنشأها؛ لأنه أنشأها من عدم, لا يوجد أصل لهذه المادة, فأوجد المادة ثم كون منها هذه الخلقة, فهو أقدر أن توجد هذه المادة ثم يعيد الله عز وجل الإنسان عليها, وأعقد شيء في الإنسان بنانه, والله جل وعلا قادر على أن يعيده كما كان, وذلك أنه يأمر خلقه أن يقول: كن فلان, ولهذا جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة في (الرجل الذي لم يعمل خيرًا قط, ثم قال لأبنائه: إن أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين, فلما مات فعل به أبناؤه ذلك, فقال الله عز وجل لأجزائه: كن فلانًا, فكان فلانًا, فقال: ما حملك على هذا يا عبدي؟ قال: خَشيَتُك يا رب, فقال الله جل وعلا: قد غفرت لك) , هذا فيه بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى وإعادة الخلق, وأعظم فساد للعقول هو ضرب الأمثلة والأقيسة القاصرة ليفسدوا الأصول التامة الكاملة, ولهذا الله عز وجل لما ذكر هذا قال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] , يضرب بمثل قاصر وينسى المثل الأعظم, فتخرج النتيجة فاسدة, ولهذا الله عز وجل يقول: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] , يعني: لا تأتي بأمثلة قاصرة, لأن إدراكك لن يصل إلى ما هو أعلى من ذلك, لو آمنت بالأعلى لما ضربت المثال القاصر.

في قول المصنف رحمه الله:"والبعث من بعد الموت حق".

أشار المصنف رحمه الله إلى ما بعد الموت، وأول مراحل الآخرة هي حياة البرزخ التي تسبق البعث بعد موت الإنسان، وحياة البرزخ ينعم فيها الإنسان ويعذب، ولهذا يقول الله جل وعلا عن فرعون وقومه: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46] ، يعني: في الصباح وفي المساء, في حياة البرزخ, ثم يأتيهم العذاب سرمديًا يوم القيامة متى شاء الله عز وجل لهم بعثًا، والعذاب والنعيم يكون في حياة البرزخ على الروح والجسد، فينعم الجسد وتنعم الروح معه، ولكن قد تنعم الروح من غير جسد ولا ينعم الجسد من غير روح، وكذلك أيضًا تعذب الروح مع الجسد، وتعذب الروح وحدها، ولا يعذب الجسد بلا روح، والجسد بالنسبة للروح كالبدن بالنسبة للقميص، فإن القميص إذا نزعه الإنسان لم يتضرر باتساخه، ولم يتضرر باحتراقه ولا يتألم بذلك؛ لبعده عنه، كذلك أيضًا بالنسبة للروح إذا انغمست في الجسد، والجسد إذا انغمس في اللباس فإنه يسوؤه اتساخه, ويلحقه ضرر احتراقه، ويلحق الجسد منفردًا من غير قميص، كذلك أيضًا بالنسبة للروح مع الجسد، ولهذا عقيدة أهل السنة والجماعة في حياة البرزخ هو تنعم الروح والجسد جميعًا، وعقابهما جميعًا، وعقاب الروح ونعيمها منفردة عن البدن، وأما بالنسبة لأهل الجنة كذلك أيضًا فإن النعيم يكون للبدن وللروح معًا، وكذلك بالنسبة لأهل النار في عذابهم بالنار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت