وهنا ذكر أهل القبلة، يعني: أنه قد ثبت إسلامهم قبل ذلك، وتحققنا من كونهم من أهل القبلة، فمن تحققنا من دخول إسلامه وإيمانه فلا نخرجه منه إلا ببينة، وذلك لحقه بثباته على الإيمان وعدم جواز أن يخرج منه إلا بيقين، ولهذا قال المصنف: لا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، والله سبحانه وتعالى جعل الكفر والإيمان اسمين, ليس لأحد أن ينزلهما إلا بأمر الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى خلق العباد وجعلهم على صنفين: فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] ، لا يوجد في الدنيا إلا هذين، إما كافر أو مؤمن، فمن كان كافرًا لا يدخل في الإيمان إلا بيقين، ومن كان مؤمنًا لا يدخل في الكفر إلا بيقين.
ويتكلم العلماء هنا على تكفير أهل القبلة؛ لأن إخراج المؤمن من الإيمان أعظم عند الله من إدخال الكافر إلى الإيمان، مع اختلاط الأمرين وشدتهما في الدين إلا أن هذا أشد من ذاك؛ وذلك لأن الثاني وهو إخراج الكافر إلى الإيمان يلزم منه نجاة، والنجاة يلزم منها أن تسبق رحمة الله لغضبه، وأما بالنسبة لإخراج المؤمن من إيمانه إلى الكفر يلزم من ذلك عقاب، وكلا الأمرين لا بد فيهما من الاحتياط؛ لأن الأمر إلى الله, هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] .
وأما بالنسبة للمنافق فهل هو اسم ثالث فنقول: مؤمن وكافر ومنافق؟ نقول: المنافق إما أن يكون مؤمنًا وإما أن يكون كافرًا، ولكننا مأمورون بأن نأخذ بالظاهر، فحكم المنافق في الظاهر حكم أهل الإسلام، وإذا ثبت كفره الباطن وعلم الله عز وجل ذلك منه أخذه الله عز وجل بباطنه كافرًا، ونؤاخذه نحن على ما ظهر منه على الإسلام، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع المنافقين، ولهذا في قول المصنف:"ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم"، يعني: ما يقعون فيه من ذنوب.
وقوله هنا:"ونكل سرائرهم إلى الله"، السرائر: هي الأمور الباطنة، فثمة سر وثمة جهر، نحن مؤاخذون بما نعلم ونرى، وأما البواطن فهي إلى الله سبحانه وتعالى، وجعْلنا السرائر إلى الله؛ لعدم علمنا وعدم إحاطتنا بها، وعقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يفرقون بينما ظهر من الكفر وبينما ظهر من الذنوب والمعاصي، فهنا ذكر الذنوب، فكفر الظاهر لازم لكفر الباطن، هذا الأصل, فمن ظهر منه كفر ظاهر فنعامله بالكفر الظاهر والباطن، ومن ظهر منه إيمان ظاهر فنعامله بالإيمان ظاهرًا وباطنًا؛ لماذا قلنا باطنًا مع أننا نكل السرائر إلى الله؟ لأن الإيمان واحد, ظاهر وباطن، فهذا هو اللازم، وأما أن نكل السرائر إلى الله لعدم علمنا بها؛ فلا يؤاخذنا الله عز وجل بما لا نعلم، ونرجو لمن آمن ظاهرًا وظهر لنا ذلك سلامة الباطن، ونكل أمره إلى الله، ولهذا جعل الله عز وجل للنفاق علامات يعرف بها المنافق؛ وذلك بكراهة بعض الشعائر؛ كالجهاد, وعدم القيام للصلاة إلا كسالى, وعدم ذكر الله إلا قليلًا، وغير ذلك من صفات المنافقين، يعرف بها، ولكن لا نخرجه من الإيمان بهذه القرائن؛ لأن ثبوت الإيمان في ذلك آكد, وعقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يلزم من فعل المحرم بغض تحريمه، ولا من ترك الواجب بغض إيجابه، إلا على طريقة الخوارج، الذين يجعلون لازم