ومعلوم أن أهل الأرض لا يشهدون بلا إله إلا الله جميعًا، فالكفر باق، إذًا الأمر باق، إذًا الشريعة قائمة, والتقصير يقوم في الخلق، والجهاد في ذلك على نوعين:
جهاد عيني, وجهاد كفائي، الجهاد العيني: هو الذي يجب على الإنسان عينًا، وذلك إذا داهم أهل البلد عدو فوجب عليهم أن يجتمعوا لمناهضتهم، فيجب على أهل البلد عينًا، والأصل أنه لا يشترط لجهاد الدفع شرط، هذا هو الأصل، يستثنى من ذلك من الأمور والقواعد الأصل والأصول العامة، مما ينهى عنه، وإنما يقولون: لا يشترط له شرط، باعتبار عدم وجود راية, وعدم وجود أيضًا إذن حاكم أو والي أو جماعة أو غير ذلك؛ لأن الإنسان يدفع لا يطلب، والدافع يدفع بما استطاع، وأعظم مراتب دفع الصائل هو جهاد الدفع، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول في أدنى مراتب دفع الصائل كما جاء في حديث مخارق كما رواه النسائي وغيره (قال رجل لرسول الله صلى عليه وسلم: يا رسول الله, الرجل يأتيني يريد مالي, قال: لا تعطيه مالك، قال: فإن غلبني؟ قال: فاستعن به على من حولك من المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: استعن بالسلطان عليه، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال عليه الصلاة والسلام: فقاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك) ، وهذا دفع الصائل على المال لا على العرض والنفس، ولا على الدين, وإنما على المال، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنن من حديث سعيد بن زيد قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد) ، فهذا إشارة إلى أن جهاد الدفع لا يشترط له شرط حتى النية، لا تشترط لجهاد الدفع، لا يلزم من ذلك أن الإنسان ينوي أنه يريد بذلك أجرًا أو إعلاء كلمة الله، لا يلزم في جهاد الدفع؛ لأنه يدفع عن ماله وعرضه، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، لكن ليس له أن يطلب المال, يقاتل لأجل المال، في جهاد الطلب، كما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي موسى وغيره، (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل, قال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل شجاعة, فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، يعني: هؤلاء ليسوا في سبيل الله، أما إذا كان يدافع، من قتل دون ماله فهو شهيد، إذا صال عليك صائل في دارك فدافعت عن دمك وعرضك ومالك ولم تستحضر نية وقُتلت فأنت شهيد.
كذلك أيضًا حتى في باب الانتصار، إذا صال أحد على كافر ولو كان الصائل مسلمًا وجب عليك أن تنصره؛ كأن يكون لك جار نصراني استنصر لمن داهمه على عرضه من مسلم دخل داره فأراد أن ينتهك عرضه أو ماله أو دمه، فهذا يجب عليك أن تنتصر له، لا أن تقول له: أنت مسلم أو لست بمسلم حتى تذود عن عرضه, أو يُقتل أو غير ذلك لوجود ساط أو سارق أو مغتصب أو غير ذلك، لهذا يقول العلماء -لأن جهاد الدفع هو أعلى مراتب دفع الصائل-: بعدم ورود شروط فيه، ولا يعنون من ذلك سلبه من جميع الشروط بالإطلاق