فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 76

والذنوب والظلم لا يخرج عليهم ولا يجوز؛ لأن الإنسان إذا خرج على إمام مسلم يريد من ذلك أن يزيل ظلمًا لا أن يزيل كفرًا، إذا كان الحاكم مسلمًا، وهو بفعله هذا يحقق مفسدة أعظم مما يريد أن يزيل؛ كالذي يريد رفع مظلمة في الدماء أو مظلمة في الأموال أو في الأعراض، ويريد أن ينازع حاكمًا متسلطًا ظالمًا وهو مسلم، فإنه بتسلطه ذلك يتسبب باستباحة دماء أعظم من العدد الذي يريد أن يعصم، وأعظم من الأموال التي يريد أيضًا أن يحمي، وكذلك أيضًا الأعراض، ولهذا جاءت الشريعة بمنع الخروج عن أئمة الجور ما كانوا مسلمين؛ وذلك لأن المفاسد التي تتحقق في ذلك أعظم من المقاصد التي يريد الإنسان أن يحققها، ولهذا جاءت الشريعة بالنظر إلى المقاصد بعيدًا عن الجزئيات، والشريعة إنما نهت عن الخروج عن أئمة الجور من المسلمين لا حبًا في الحاكم ولا تمكينًا له وإنما دفعًا لمفسدته؛ لأن الحاكم إذا تسلط وتمكن لا يزول إلا بمفاسد عظيمة وبتأليب على الناس وانتهاك لحرماتهم؛ انتصارًا لنفسه واعتزازًا أيضًا وتكبرًا على من بغى عليه، فيبطش ويبغي ويظلم، ولهذا مرد ذلك إلى العدل والإنصاف لا إلى حظوظ النفس، فربما يتمنى الإنسان زوال حاكم وتمنيه ذلك لا يعني أن يزيله وأن يخرج عليه؛ لأن الخروج على أئمة الجور من المسلمين محرم لمفاسده، ولو كان الأمر يرجع إلى الإنسان في ذاته نظرًا ونحو ذلك, فيضع الحاكم الأفضل بدون نزاع ونحو ذلك، فلو كان الأمر كذلك ما كانت هذه المسألة من مسائل البحث.

وأما الحاكم إذا كان كافرًا فالأصل في الخروج عليه الجواز ما لم يكن ثمة مفسدة أعظم، وذلك إذا أراد الناس أن يخرجوا على حاكم ليس بمسلم، وذلك لأنه ليس للمسلمين عليه بيعة، فالله عز وجل لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيل، وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] ، من المؤمنين, لا من غيرهم، ولهذا ذكر منكم, ما قال أولي الأمر فقط، وإنما ضبطهم وحدهم أن يكونوا من المسلمين، فإذا تولى حاكم على المسلمين ليس بمسلم فليس للإنسان أن يبايعه حاكمًا، ولكن ثمة مسائل:

أولها: الخروج على الحاكم غير المسلم، نقول: الأصل فيه الجواز ما لم يكن ثمة مفسدة أعظم من ذلك, المفسدة التي هي أعظم أن تستأصل شوكة الذين ينازعونه، حينئذ لا أبقوا أنفسهم ولا أزالوه، وأيها أعظم وأولى أن يبقوا على خير وصلاح وتدرج في إصلاح مع وجود حاكم كافر أم يزولوا مع وجوده؟ أن يبقوا مع وجوده، ولهذا جاءت الشريعة بتحقيق المصالح وتتميمها وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها، وألا يرجع ذلك إلى رغبة الإنسان وهواه, بل يرجع في ذلك إلى الحق والعدل والإنصاف ولو خالف رغبة الإنسان وطمعه ومراده، ولهذا كما أننا نقول: ليس على المسلمين له بيعة كذلك أيضًا نقول: لا يجوز الخروج عليه إذا كانت الحالة تلك، وما حال الإنسان مع أمره ونهيه؟ نقول: حال الإنسان مع أمره ونهيه يأتمر وينتهي بما يصلح أحوال الناس لا بما يصلح حال الحاكم؛ كيف هذا؟ نقول: أمر الحاكم الكافر على المسلمين على نوعين:

الأول: نوع تستقيم به حياة الناس، ويستقيم به أمره، يجب على الإنسان أن ينضبط بذلك وأن يأتمر بأمره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت