فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 76

اليهود والنصارى في قوله جل وعلا: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] ، وبعض الناس يرى أن التشريع ليس شيئًا في هذا الباب، إنما المراد بالعبودية هي نوع من التعبد وهو السجود والركوع والعبادة من الصلاة وغير ذلك، لا, أيضًا التشريع عبادة، ولهذا يقول الله جل وعلى في كتابه العظيم: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40] ، جعل الحكم عبادة.

الصورة الثانية: العمل بالتشريع، يعني: أنه شرع في بلد من البلدان شريعة الله عز وجل, ما أحله الله عز وجل فهو الحلال وما حرمه فهو الحرام، ثم وقع الإنسان في تقصير في التطبيق، لم يحرم حلالًا ولم يحل حرامًا، لكنه أخل في التطبيق، أسقط الحد عن شارب خمر، تجاوز عن زان، قبل رشوة فأسقط الحد عن سارق وغير ذلك, مع ثبوت هذا الحكم في قانونه ونظامه، فهذه هي المسألة التي جاء عن السلف فيها الكفر دون كفر.

وأما المسألة الأولى فليست هي موضع بحث في هذا الباب، وإنما هي كفر بإجماع المسلمين، وبعض الناس يجعل مسألة الكفر دون كفر في المسألة الأولى، مسألة التشريع، هل هذا سائغ أو ليس بسائغ؟ ليس بسائغ عند أي أحد من المسلمين، ولهذا ربط الله سبحانه وتعالى السمع والطاعة بمن شرَّع بتشريعه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي يقوم بينكم بكتاب الله) ، فقيد الأمر بكتاب الله سبحانه وتعالى, ولم يطلق السمع والطاعة لكل آمر أو ناهي.

وقوله:"ولا القتال في الفتنة"، المراد بالفتنة هي الالتباس، التباس الحق بالباطل وعدم تمييز ذلك، فالإنسان يمتنع عن هذا، وهل إذا دعاه حاكم إلى القتال ورأى أن هذا القتال فتنة له أن يمتنع أو يطيع؟ نقول: يمتنع، كما كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى فيما وقع وشجر بينهم عليهم رضوان الله تعالى، امتنع فئام من الصحابة، وكانوا يدعون ويمتنعوا؛ لماذا؟ لأنهم يرونه قتال فتنة. فيؤخذ بقوله فيما يراه إذا كان عالمًا، وإلا يستفتي أهل العلم ويقلد من يثق بعلمه ودينه، الأصل في الفتنة في لغة العرب هو: الإحراق, إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج:10] ، يعني: أحرقوهم في النار؛ كأصحاب الأخدود، فيفتن الذهب والفضة إذا أحرق ثم تغير معدنهما، كذلك إذا أحرق الإنسان أو هدد بالحرق يظهر معدنه، هل هو صاحب إيمان صحيح كما فعل بأصحاب الأخدود، دخلوا النار لشدة إيمانهم أم لا, فيظهر حينئذ قوة التصديق الموجود لديه في هذا الباب، إذًا كل شدة تحدث تغيرًا في الإنسان فهي فتنة، وإذا امتاز الحق من الباطل ليست بفتنة، لهذا كثر استعمال الفتنة في لغة العرب، وكذلك أيضًا في اصطلاح الشارع على أحوال متنوعة: أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] ، وفي قول حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة) ، المراد بالفتنة أن الولد والزوجة تغيرك، تؤخرك عن الصلاة، تجبن عن الإنفاق والصدقة خوفًا عليهم أو احتياطًا لهم، تمتنع عن بر الوالدين إرضاء للزوجة أو غير ذلك، هذا نوع من الفتنة التي تحدث فيك تغير، فكل شيء أحدث تغيرًا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت