وتعالى, كذلك أيضًا فإن مقياس الإيمان هو مقياس الشريعة, لا مقياس ذات الإنسان وتقييمه له، لأنه لو وكل الناس إلى نفوسهم وإلى آرائهم وأهوائهم لكان كل أحد يقول: أنا مؤمن وانتهى الأمر، ولهذا اليهود والنصارى كل طائفة منهم تقول عن الطائفة الأخرى: ليست على شيء، وهم يتلون الكتاب، يعني: يقرءون، لكن يتأولون ذلك، ولكن نقول: إن كل دعوة في ذلك لا اعتبار بها لأن مردها إلى الله سبحانه وتعالى, وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:113] .
وفي قول المصنف رحمه الله:"ومن قال هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين"، وهنا أراد التنبيه على معنى؛ لأنه لا يعلم الإنسان منزلته لأسباب: منها أن الإنسان ينسى سيئته ويذكر حسنته فلا يعلم مقياس إيمانه، فإن الإيمان له منزلة ومرتبة وهي أعلى من الإسلام، والشيطان له مداخل على الإنسان أن يستحضر العمل الصالح في ذهنه وأمام عينيه؛ حتى يعظم ويتواكل وينسى سيئاته، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في مواضع كثيرة في أحاديث (أن الإنسان يفاجأ يوم القيامة بعدد السيئات التي نسيها) ، يفعلها ونسيها وأحصاها الله سبحانه وتعالى، ما الذي يذكر؟ يذكره الشيطان بالحسنات؛ حتى يسكن ويرتاح ويتمادى في السيئات ويطمئن حتى لا يأمن من مكر الله سبحانه وتعالى عليه، ولهذا قال:"من قال هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين"؛ لأنه ما يدري حاله، قيمته عند الله؛ لماذا؟ هل السبب في عمل الإنسان؟ الله عز وجل عدل, يعطيك على عملك, ولكن الخلل في ذلك أنك تجهل نفسك وتنسى أمرك، من جهة ماذا؟ من جهات: منها: أن تنسى العمل كله، الماضي منك, ومنها أيضًا: أن تجهل قيمة العمل الذي فعلته أنت، ربما تؤدي الصلاة، أديتها لكن هل خشعت فيها؟ هل حضر قلبك فيها؟ ما هو مقدار القبول عشرها، ربعها، ثلثها، نصفها، ثلثيها أكثر من ذلك أم أقل، ما مقدار هذا الأمر؟ الإنسان غالبًا ينظر إلى الأمور الظاهرة, والله عز وجل كما جاء في حديث أبي هريرة (لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور) ، هذه القلوب هي موضع الخداع والغرر عند الإنسان، لهذا الإنسان يجهل تقييم نفسه بنسيانه لما مضى من عمله، وتقييمه لعمله الحاضر؛ لأنه ما يدري أمره، كذلك أيضًا: أن الإنسان ربما يغلب عليه هواه فيظلم ويظن أنه ليس بظالم، ولهذا يقول الله جل وعلا عن بعض الظالمين الذي يقع منه ظلم ويظن أنه على خير: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103 - 104] ، يظن أنه على خير، هذا الظن هو الذي يجعل بعض الناس يقول: أنا مؤمن عند الله، أنت لا تعلم ما حالك عند الله، ربما كابرت لأجل الهوى فتظن أنك على حق وأنت على باطل، ولهذا قال: ومن قال هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب, يعني: يكل أمره على ما علم من أمره لا عند الله، لا من أمر الله، لأنه لا يعلم أمر الله سبحانه وتعالى إلا هو، يعني كقول الإنسان: لا أعلم عن فلان إلا خيرًا، أو أحسبه كذلك، فهو يرجع إلى حسبانه، فإذا جاز شهادة الإنسان لغيره ممن خارج عنه، فشهادته لنفسه عند نفسه فيما يعلمها منها لا عند