وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار, وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين, ويقولان: لا يفلح صاحب كلام أبدًا].
ومسألة الهجر المراد بذلك: الهجر والمفارقة, ومنه الهجرة ومفارقة بلد الكفر إلى بلد الإيمان، والله سبحانه وتعالى نهى عن القعود في مجلس يخاض فيه في آيات الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأمور منها: أن السكوت إقرار, وهذا مشاركة بالإثم والعدوان، ومنها: أن الإنسان يتأثر ولو مع طول مراس على الباطل الذي يسمعه، فيتأثر في سمعه حتى يألف، فأراد الله عز وجل أن يصون الإنسان والحق الذي معه بمفارقته بذلك، أما بالنسبة للمهاجرة حتى لو لم يسمع الباطل في مجالسة الباطل نقول: إذا قصد إصلاحًا يرجع في ذلك إلى المصلحة، لأن الإنسان لا يمكن أن يدعو أحدًا إلا ويخالطه، أن يجالسه بتدريسه، بتعليمه، بإقامة الحجج عليه، ببيانه، هذا نقول: إذا رام قبولًا من ذلك بإنصاف وعدل بلا هوى فلا حرج عليه أن يخالطه لتعليمه ودفع الشبهة عنه، وإذا علم أنه إن قاطعه أنه سيزداد عنادًا ومفسدة في ذلك فإنه يصل ويتألف قلبه؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما يتألف بعض المنافقين, ويتألف أيضًا من يخالفه عليه الصلاة والسلام في هذا، وربما أيضًا تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض المخالفين من اليهود وغيرهم ببيع أو شراء أو رهن أو غير ذلك، هذا يربط في ذلك بمصالحه وأحواله، والأصل في العلاقة بأهل البدع الهجران؛ وذلك لأن أهل البدع يخشى على الإسلام منهم؛ لأنهم في داخل دائرة الإسلام ويخشى على الإسلام من تلبيسهم، بخلاف العدو البين كاليهود والنصارى وغيرهم, أو الوثنيين أو الملاحدة أو غير ذلك؛ لأنهم خارج دائرة الإسلام فلا يخشى من تأثر أهل الإسلام بهم لشدة المفارقة في ذلك، وإن كان الأصل في مسألة المخالطة الاشتراك في هذا الباب ولكن الخطورة في هذا على مراتب.
وهنا في قول المصنف رحمه الله:"وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان: لا يفلح صاحب كلام أبدًا"لأن الكلام يعتمد على الفلسفة والنظر، والنظر تعتمد على قوة إدراك الإنسان وحدة تأمله، ويلحق في ذلك من القصور ضعفًا وغيره، ولهذا كل الناس في زمن يرون أنهم بلغوا من الحذق والدراية والمعرفة العقلية ما لم يدركه غيرهم, فيضلوا، فيغتر لحذقه ويضل, ولهذا ذكر الله عز وجل أحوال أمم غرتهم المادة وقدرتهم على الأرض لو ننظر إليها في زماننا لرأينا أنهم متخلفون؛ لماذا؟ لحال عيشهم وأمرهم في ذلك الزمن مقارنة بأحوال الناس اليوم، قد بدأ الناس اليوم من رغد العيش حتى يلبس ربما متوسط الناس ما يلبسه الملوك من كسرى وقيصر في الزمن السابق، ولو أعطي الواحد من أهل العصر من متوسط أهل العصر لباس كسرى وقيصر لما لبسه اليوم لخشونته وبعده عن التنعم، وهو الذي أورث كبرًا عند الأوائل وظنوا أنهم قد بلغوا فيه مبلغًا، لهذا هذه المسألة نسبية، والله جل وعلا قد جاء بوحي عظيم فوق مدارك العقول, وجب عليهم أن يسلموا، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] ، مما يجمعون مماذا؟ من الدنانير، من الذهب والفضة، ومن