فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 75

{يس} و {طه} و {حم} ، وهو كثير في كلام العرب، وذلك أنهم جعلوها أسماءً كالأسماء الأعجمية"هَابِيلَ"و"قَابِيلَ"، فإما أن يكونوا جعلوها في موضع نصب ولم يَصْرِفُوهَا، كأنه قال: اذْكُرْ حَمَ وطَسِمَ ويَسَ، أو جعلوها كالأسماء التي غير متمكنة، فَحَرَّكُوا آخِرَهَا حركةً واحدةً، كفتح"أَيْنَ"، وكقول بعض الناس: الحمدِ لِلَّهِ"."

فقول الأخفش:"إنها بمنزلة الأسماء الأعجمية"-يضاف إلى القولين السابقِ ذِكْرُهُمَا، فيكون للأخفش في هذه المسألة ثلاثة أقوال.

وقد حَكَى ثعلبٌ قولَ الأخفش، ثم اعترض على قوله: إنها بمعنى"يا رَجُلُ"، وقد حكى الأزهريُّ هذه الحكايةَ وذلك الاعتراضَ، قال الأزهري [1] : "وقال المنذريُّ: أخبرني أبو العباس قال: قال الأخفشُ في قول الله: {طه} : منهم مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا حرفانِ مثل {حم} ، ومنهم من يقول: له مَعْنَى"يا رَجُلُ"في بعض اللغات. قال أبو العباس: لا يجوز "طَهَ"؛ لأن ابن مسعود رَوَى عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"طِهِ"، وهذا يَدُلُّ على حروف التَّهَجِّى".

يعني ثعلبٌ بهذا أن"طه"ليس بِمَعْنَى"يا رَجُلُ"كما رَوَى الأخفشُ، واستدل ثعلب على ذلك بقراءة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - التي رُوِيَتْ عن ابنِ مسعودٍ:"طِهِ"بالكسر.

وثعلبٌ في هذا متابعٌ لِمَا قاله الفَرَّاءُ مِنْ قبل، قال الفراء [2] : "قوله: {طه} حَرْفُ هِجَاءٍ .... ، وقد جاء في التفسير:"طه"يا رَجُلُ يا إِنْسَانُ .... ، حدثني قيس بن الربيع قال: حدثني عاصم عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: قرأ رجلٌ على ابن مسعود:"طه"بالفتح، قال: فقال له عبدُ الله:"طِهِ"بالكسر، قال: فقال له الرجلُ: يا أبا عبد الرحمن: أليس أنما أُمِرَ أَنْ يَطَأَ قَدَمُهُ؟، قال: فقال له:"طِهِ"، هكذا أَقْرَأَنِي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - [3] ".

غير أنني لا أرى أبا العباس مُحِقًّا في اعتراضه على قول الأخفش؛ لأن هذا القول في الحقيقة رَوَاهُ الأخفشُ عن غيره، وهو قول لكثيرٍ من المفسرين، كما أن الفراء نفسه قد حكاه عن السلف.

وقد رَوَى الإمامُ البخاريُّ في صحيحه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والضَّحَّاكِ أن"طه"بالنَّبَطِيَّةِ معناه: يا رَجُلُ [4] ، وروى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن عكرمة أن"طه"بالحبشية معناه: يا رَجُلُ [5] ، ورَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن عِكْرِمَةَ والضَّحَّاكِ أنها بالنبطية يا رَجُلُ [6] ، ورواه غَيْرُهُمَا من رُوَاةِ الحديث [7] .

(1) معاني القراءات 2/ 142.

(2) معاني القرآن 2/ 174.

(3) الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2/ 245 كتاب التفسير: باب القراءات.

(4) صحيح البخاري 5/ 238 كتاب تفسير القرآن/ سورة"طه".

(5) المصنف لابن أبي شيبة 7/ 159 كتاب فضائل القرآن/ باب ما نزل بلسان الحبشة.

(6) المصنف لابن أبي شيبة 7/ 160 كتاب فضائل القرآن/ باب ما فسر بالنبطية.

(7) رواه الطبراني في المعجم الكبير 11/ 349، والحاكم في المستدرك 2/ 378 كتاب التفسير: سورة طه، والهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 56 كتاب التفسير: سورة طه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت