ولم يعهد في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار، وإنما على غيرها، مما يقرب من معناها [1] ، لكن استخدمه القرآن للنار، لبلاغته، ومطابقته لحالها الذي هي عليه، ولهذا جاء بعدها في سورة الهمزة: «نار الله الموقدة. التي تطلع على الأفئدة» ، فمن شدة حرارتها وحميمها «نار حامية» ، تحطم أجسادهم حتى تصل إلى سويداء قلوبهم، ولا يلزم من ذلك فناؤهم، بل هم خالدين فيها ما شاء الله «كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب» .
-ومثله (الحاقة) : فهو من أسماء يوم القيامة الذي سماه الله بأسماء كثيرة، فيها تهويل، وقرع للأسماع والقلوب، مثل: (الحاقة، القارعة، الصاخة، الطامة، الواقعة، الغاشية، الراجفة، يوم التغابن، النبأ العظيم، يوم الجمع، يوم التلاق) ووصف القيامة بأنها (خافضة رافعة) ، فهذه وإن لم يعهدج عن العرب كثرة استعمالها في لغتهم؛ لغفلة العرب - في الجملة - قبل الإسلام عن أمور الآخرة، والبعث، والنشور، والجنة، والنار، لكن مثل هذه المعاني موجودة في لغتهم، ولذا فهموا المراد منها حين نزل بها القرآن.
والحاقة: تحق فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال، فهي تحق لكل إنسان عمله [2] ،والحق: هو الأمر الثابت الصادق الصحيح «ذلك اليوم الحق» ، والساعة: حاقة، أي: واقعة لا جدال ولا ريب في وقوعها، (والحق من أسماء الله، أو من صفاته، والقرآن، وضد الباطل، والأمر المقضي، والعدل، والإسلام، والمال، والمِلْك، والموجود الثابت، والصدق، والموت، والحزم. والحاقة: النازلة الثابتة، والقيامة تحُق، لأن فيها حواقّ الأمور، أو تحقّ لكل قوم عملهم [3] .
ومثل ذلك القارعة: فالقرع معلوم في لغة العرب، وهو حسي، ومعنوي، وهنا استخدمت في المعنوي، حيث إن القيامة يقرع قلوبَ الناس هولُها؛ لعظم
(1) التنحرير والتنوير 15/ 540.
(2) جامع البيان 10/ 8169.
(3) القاموس المحيط، ص 889، (حقق) .