ما ينزل بهم من البلاء والشدة والكرب، حتى يشيب لهولها الولدان، وهذا اللفظ لم يعهد عن العرب استعماله في القيامة، قبل القرآن [1] .
وكذلك الصآخة: فهي صيحة شديدة تصخُّ الأسماع، أي تصمها؛ لذدة صوت صيحتها، التي تزلزل الأرض، ويتغير بها نظام الكون، فهي تصم عن كل أمور الدنيا، وتسمع أمور الآخرة، تقول العرب: صخَّتهم الصاخة، ونابتهم النائبة، أي الداهية، ومنه قولهم:
أصمهم سرُّهم أيام فرقتهم ... فهل سمعتَ بسر يورث الصمما
وقول الآخر:
أصَمَّ بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح معنى الجود بعدك بَلْقَعَا
ولم يعهد استعمال الصاخة للقيامة إلا في القرآن، وهو من بديع الفصاحة [2] .
ووجود مثل هذا المعنى للصاخة في اللغة المصرية القديمة، لا يعني أن الكلمة أخذت منها.
وكذلك الطامة: تطُمُّ كل شيء هائل من الأمور، فتغمر ما سواها، وتنسيه؛ لعظم هولها، ولذا وصفت في الآية بالكبرى [3] ، فهي تفوق أمثالها من نوعها، من طمَّ الماءُ، إذا غلب وغمر الأشياء، ولا تطلق إلا في الأمور المهولة [4] .
والأمر في هذا ينطبق على الكلمات التي أوردها في الموضع المذكور.
والاستفهام الوارد بعد تلك الكلمات في القرآن الكريم: «ما الحآقة. وما أدراك ما الحآقة» ونحوها، ليس لأن تلك الألفاظ غير عربية، ولا مفهومة للعرب، لذا استفهم عنها، ثم بين معناها، بل الاستفهام بها للتهويل والتعظيم، وجذب الانتباه؛ لسماع البيان القادم بعدها، وهذه الكلمات لو لم يذكر بيان معناها بعدها، بل اكتفى بالسؤال التهويلي، لم يكن ذلك مما سيغمض معناه على العرب،
(1) التحرير والتنوير 15/ 510.
(2) التحرير والتنوير 15/ 134 - 135، والبحر المحيط 8/ 421.
(3) جامع البيان 10/ 8466.
(4) التحرير والتنوير 15/ 90.