ثانيًا: كيف يجرؤ هذا المتطاول الجاهل أن يخطئ جميع المفسرين من عصر النبوة إلى الوقت الراهن، في إجماعهم على أن المراد بالعلق هنا: العلقة، ويزعم أنه هو المصيب وحده!! فإجماع الأمة على تفسيرها بالعلقة أكبر دليل على خطئه، وهو ممن لا يعرف العربية، ولا تتوفر فيه أدنى شروط المفسر.
ثالثًا: من المعلوم أن هذه الآيات الخمس الأُول من سورة العلق، هي أول ما نزل من القرآن - كما هو القول الراجح في ذلك -، ولهذا جاء افتتاح هذا الكتاب العزيز بأفصح لفظ، وأعظم بيان، وأجزله، ليكون بذاك الانطلاقة الأولى في محاجة الكافرين، ونصرة المؤمنين، ولا يمكن أن يخاطب الله قريشًا في أول آيات كتابه تنزيلا إلا بأفصح ما علموه من كلامهم، ليكون أقرب لقلوبهم، وأسماعهم، وأبلغ في تحديهم، وليؤمنوا به ويتعظوا، فكيف يعقل والحال هذه، أن يبتدأ القرآن بألفاظ أعجمية، لا علم للعرب بها؟ كيف يفهمون خطابه، ويصدقون بفحواه؟ بل لو كان الأمر كذلك، لقطع الكفار بأن هذا الكتاب من صنيعة محمد، أو تلقاه عن بشر مثله، له إلمام بغير ما لغة من لغات العالم آنذاك.
ولو كان العلق أعجميا، لسأل الصحابةُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - عن المراد به، بل لسأل الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - جبريلَ عن ذلك أولًا.
رابعًا: أن (علق) : جمع (علقة) ، كما يقال: شجرة وشجر، وقصبة وقصب، وكذلك: علقة وعلق، وإنما قال: «من علق» والإنسان لفظ مفرد؛ لأنه في معنى الجمع، وإن كان بلفظ المفرد، فالمراد: جنس الإنسان، أي: كل الناس، وهو جمع، فكذلك قال: «من علق» [1] .
خامسًا: بناء على أن علق: علقة، تظهر المناسبة بين ذكر أصل الخلق، والأمر بالقراءة، وهي: أن فيه إشارةً إلى أن خلق الإنسان من علق، ثم مصيره إلى كمال أشده، هو خلق ينطوي على قوىً كامنةٍ، وقابليات عظيمة أقصاها: قابلية العلم
(1) جامع البيان 10/ 8711.