الصفحة 26 من 83

والمتابة، وفيه إشارة إلى ما ينطوي عليه خلق الإنسان من بديع الأطوار والصفات التي جعلته سلطان هذا العالم الأرضي [1] .

سادسًا: أن في ذكر خلق الإنسان من علقة تناسب مع قوله: «ربك» ، فلم يأت بلفظ الجلالة (الله) ، وهو أعظم؛ لما في لفظ (الرب) من معنى: الذي رباك، ونظر في مصلحتك، وفيه تطمين لفزع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين نزل عليه جبريل فجأة بهذه الآيات، فاستماله ربه بهذه الكلمة؛ ليزول الفزع، فكأنه قال: هو الذي رباك منذ أن كنت علقة، ولم يدع تربيتك لغيره، فكيف يفزعك بعد أن أصبحت خلقًا نفيسًا موحِّدًا عارفًا به؟

ولأن الآية فيها: الإقرار بتوحيد الربوبية، وإقامة الحجة على الكافرين؛ ذكر الله عقيب قوله: «ربك» : «الذي خلق» ، فكأن العبد يقول: ما الدليل على أنك ربي؟ فيقول: لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدومًا، ثم صرت موجودًا، ومررت على أطوار كثيرة، منها العلقة، فلذا، لابد لك في ذاتك وصفاتك من خالق موجد لك، وهذا الخلق والإيجاد تربية، فدل على أتي ربك، وأنت مربوبي.

وهذا الترتيب فيه رد على المشركين؛ فجاء بعد (الرب) بصفة (الخالق المنشئ للعالم) لما كانت العرب تسمي الأصنام أربابًا، أتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها، فذكر لهم: أنهم خُلقوا من علقة، ولا يمكنهم إنكار ذلك، ثم بين لهم: أنه لابد للفعل من فاعل، ولا يمكنهم أن يضيفوا ذلك للوثن، الذي يسمونه ربّا، لعلمهم أنهم نحتوه، وأوجدوه، فبهذا التدريج يقرون بأن الله هو المستحق للربوبية، والعبادة، والثناء دون الأوثان [2] .

سابعًا: أن ذك خلق الإنسان من (علقة) في هذه السورة، فيه مناسبة للسورة التي قبلها في ترتيب التلاوة (سورة التين) ، حيث ذكر فيها: خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر مكا عرض له بعد ذلك «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين» ثتم ذكره هنا مرة أخرى، منبهًا على شيء من

(1) التحرير والتنوير 15/ 438.

(2) انظر: البحر المحيط 8/ 488، والتفسير الكبير، للرازي 32/ 15 - 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت