الصفحة 30 من 83

من خلال ما تقدم من روايات - بغضّ النظر على مدى صحتها - يستبين لنا: أن آدم - عليه السلام - لم يمر بأرض مصر، ولم يقر بها، لا حين أهبط من السماء، ولا حين عاش واستقر بعد ذلك في الأرض إلى وفاته، وإنما الأمر متردد بين أرض الهند، ومكة، دون سواهما، فكيف يزعم هذا أم آدم سكن مصر؟ وأين دليله، أو المرجع الذي رجع إليه؟ بل لو كان له مرجع من كتب بني إسرائيل، فلا يعتمد عليه؛ للقطع بتحريف تلك الكتب، وعدم صحة كل ما فيها، وبما أنه بنى نظريته على أساس باطل، فما بني على باطل، فهو باطل، بل كيف يجرؤ أن يفسر القرآن على أساس هذه النظرية التي لا صحة قطعًا لها، هذا اعتداء وتطاول سافر على كتاب الله، بل إن الروايات المذكورة عن مكان هبوط آدم، وما يلحق بها - رغم ورود بعضها عن السلف - لا يقطع بصحتها، ولذا نجد الطبري حين أورد جملة من الروايات في المكان الذي أهبط عليه آدم قال: «وهذا مما لا يوصل إلى العلم بصحته إلا بخير يجيء مجيء الحجة، ولا يعلم خبر في ذلك كذلك، غير ما ورد من هبوط آدم بأرض الهند، فإن ذلك مما لا يدفع صحتَه علماءُ الإسلام، وأهلُ التوراة والإنجيل، والحجة قد ثبتت ببعض أخبار هؤلاء» [1] .

فالطبري لم يجزم بصحة ما روي في ذلك من روايات، فكيف يأتي هذا ويجزم بصحة ما لم ترد فيه روايات إلا من بُنيات أفكاره، ومناماته الشيطانية، وهواه الذي اتخذه إلهًا له؟!

وقد ذكر محمود شاكر في كتابه (التاريخ الإسلامي) [2] أن أول من سكن مصر وإفريقية هو: حام بن نوح مع أبنائه، بعد الطوفان؛ حيث إنه أراد الابتعاد عن البلاد التي حصل بها الطوفان، ومن ثم تفرق نسله في أنحاء إفريقية، وصاروا أمما، وجاءتهم رسلهم بالبينات، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر.

(1) الطبري 1/ 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت