أقول: هذا جهل مطبق باللغة العربية، الني هي أوسع لغات العالم، وأشرفها، ومن هنا اختارها الله لأشرف كتبه، الذي أنزله على أشرف رسله، إلى أشرف أمة.
والعربية مليئة بالمفردات التي تدل على الحياة الآخرة، واملأ الأعلى، ولذا فهناك الحنفاء من العرب المتعبدين على دين إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وكلام العرب شعرا ونثرا يحوي ذكر الموت «من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت» ، والرثاء في الشعر الجاهلي كثير، ليس هذا موضع بسطه، ومنه قول النابغة الذبياني في رثاء النعمان بن الحارث الغساني:
فإن تحْيَ لا أملَلْ حياتي وإن تمُت ... فما في حياة بعد موتك طلئلُ
سقى الغيثُ قبرًا بين بُصرى وجاسمٍ ... بغيثٍ من الوسمي قطرٌ ووابلُ
ولا زال ريحانٌ ومسكٌ وعنبرٌ ... على منتهاه دِيمةً ثم هاطلُ [1]
والمشركون من قريش مقرون بوجود الخالق وتصرفه في هذا الكون، كما قررهم الله على هذا في القرآن، ولم ينكروا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جاءهم بشيء من غير لغتهم، بل زعموا أنه جاءهم بما لم يكن آباؤهم مؤمنين به، فهم على آثارهم يهرعون.
فالمفردات موجودة في العربية، وإن لم يكن العرب قبل الإسلام يكثرون من استخدامها.
ثم كيف فهم العرب الآيات المتحدثة عن الآخرة والحساب والجزاء والجنة والنار والميزان والملائكة ونحوها من أمور الغيب والآخرة والملأ الأعلى، فلو كانت لغتهم خلوا منها، لاستعار الله لها كلها كلمات من المصرية، وليس في الحروف المقطعة فقط.
** قوله (ص 170) : إنه يرجح أن المصريين القدماء نزلت عليهم رسالة سماوية، ربما كانت رسالة إدريس - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك يقيت في أهل مصر تلك المعتقدات النبوية من أمور الآخرة والملأ الأعلى، ونحوها، إلى أن لحقتها الوثنية.
(1) الأدب العربي وتاريخه، ص 125.