الصفحة 107 من 202

ذلك الشعر متأت من استقراء شامل له؟ نحن واثقون أنه لم يتأت عن استقراء شامل، ولكنه حكم إطلاقي ساقته الحماسة للحداثة فرفض كل قديم.

ومع ذلك فلنتوقف عند رؤية المناهج النصية لتلك القضية، فكمال أبو ديب الذي درس (150) قصيدة جاهلية دراسة متقصية اعتمادًا على المنهج البنائي قرر: أن الصورة في الشعر الجاهلي:"تبدو في كثير من تجلياتها مشحونة بطاقة انفعالية حادة (74) . وإن تلك الصور تمتلك:"وظيفة تعبيرية، أولًا، وإيصالية، ثانيًا، لكنها تمتلك فوق ذلك كله وظيفة رمزية" (75) . ونحن نثق في النتائج التي توصل إليها أبو ديب لأنها مبنية على الاستقراء التحليلي لشعر ما قبل الإسلام."

ثم علينا أن نناقش قضية منهجية فهمها محمد صابر عبيد فهمًا معكوسًا وهي: من الذي يكشف تعدد موجات الإرسال في النص الأدبي؟ أليس هو المتلقي الذي يقوم بتأويل الخطاب الأدبي؟ إن النص الأدبي، فيما يرى النقاد البنائيون بنية مغلقة، وعلى الناقد القائم بالتحليل أن يكشف تعدد الدلالات وليس للنص نفسه أن يقوم بذلك.

ونظر علي جعفر العلاق إلى اللغة الشعرية من الزاوية نفسها التي نظر محمد صابر عبيد منها إلى اللغة: زاوية الحداثة فرأى:"إن جماليات اللغة الحديثة قد تقع في الطرف الآخر من جماليات الأداء الكلاسيكي ... فالقصيدة الحديثة لا تشتق جمالها وفتوتها من الفخامة أو النعومة، بل تستمدها من حقل آخر حيث يكون التنافر واللاتناسق واللاتكامل واللانمو والقبح والانقطاع عناصر حية في جماليات جديدة لا عهد للشعر بها" (76) .

واستعرض العلاق في تلك المقالة ثلاثة اتجاهات لغوية في القصيدة الحديثة الأول: سعي القصيدة العربية إلى الاقتراب من اللغة اليومية والابتعاد عن الجهد الزخرفي الفخم الموروث من حقب الخمول الشعري الماضية، والثاني: الإمتثال للقوالب الجديدة التي أشاعها الشعر الحديث ويمتاز هذا الاتجاه بضعف المغامرة اللغوية، وشعراء هذا الاتجاه في أفضل مستوياتهم يشيدون قصائدهم من حجارة ينتزعون معظمها من أبنية شعرية أشد متانة وأكثر جمالًا، أما الاتجاه الثالث: فهو يقسو على لغة القصيدة ويمعن في إفراغها من شحنة الحياة الحسية الريانة، واتسم هذا الاتجاه بطغيان الصور المجردة والذهنية (77) .

إن العلاق في تلك المقالة يراوح بين التنظير للشعر، والرؤية التاريخية له، وإذا كان التنظر يُعنى بالأدب الممكن فإن العلاق في حديثه عن الاتجاهات الثلاثة عني بالأدب الحقيقي، ولكنه أدب حقيقي غير مسمى، أي أن رؤية العلاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت