الصفحة 135 من 202

وكما عالج عدد من النقاد المضامين الأسطورية في الشعر، عالج آخرون مضامين القصائد من زوايا أخرى، ومن تلك الزوايا محاولة الكشف عن المضمون الجوهري العام الذي تشترك فيه قصائد كثيرة لشاعر واحد، ولعل ماجد السامرائي (52) ، واحد من أولئك النقاد فهو في إحدى مقالاته يستخلص رؤية موحدة لقصائد محمود درويش فيقول عن قصيدة درويش إنها:"قصيدة مشبعة بحس الموت ومع ذلك فإن صوت الحياة فيها أعلى من ركام الواقع .... والشاعر (يفعلن) ذاته على إيقاعين: إيقاع الحياة وإيقاع الموت" (53) .

ولا يخبرك السامرائي عن أية قصيدة يتحدث وإنما يضعك أمام حكم عام من غير أن يمهد له بما يسوّغه عند القارئ، يسوق لك الحكم الذي لا يستخلصه من نصوص شعرية، بل يبحث بعد تقرير الحكم عن نصوص تسنده وكثيرًا مالا يجد تلك النصوص، فتتحول النصوص عندئذٍ إلى تحلية يزيّن بها مقالته وليس إلى دليل مرتبط بحكمه الأولي الذي قرره، ولنلاحظ النصوص التي أوردها لبيان دليله على أن قصيدة محمود درويش تسير على وفق إيقاعي الموت والحياة:

"هم فتحوا باب زنزانتي فخرجتُ"

وجدتُ طريقًا فسرتُ

إلى أين أذهبُ؟ في بادئ الأمر قُلْتُ: أُعلّم حريتي المشيَ مالتْ عليَّ، استندتُ إليها، وأسندتها، فسقطنا على بائع البرتقالِ العجوزِ، وقمتُ وكدّستها، فوق ظهري كما يحملون البلادَ على الإبل والشاحناتِ، وسرتُ إلى ساحة البرتقال تعبتُ، فناديتُ: أيتها الشرطةُ العسكريةُ لا أستطيعُ الذهاب إلى قرطبهْ ...

وأحنيتُ ظهري على عتبهْ

وأنزلتُ حريتي مثل كيسٍ من الفحمِ، ثم هربتُ إلى القبو،

هل يُشبه القبُو أمي وأمّكَ؟ صحراءُ صحراءُ"."

يصعب هنا على المرء أن يكتشف إيقاع الموت الذي أشار إليه ماجد السامرائي، فالمقطع الذي أورده الناقد، إذا ما أردنا أن نساير الناقد في منطقه، يتناول سيرة حياة شخص ما، ويصف الإيقاعات الحياتية اليومية، الخروج من السجن ومحاولة التآلف مع حياة الحرية، ولم نجد في ذلك المقطع مايدل على إيقاع الموت الذي أشار إليه الناقد مطلقًا.

وكأن الناقد أحسّ أن الشاهد الذي أورده لم يصبح دليلًا على الحكم الذي قدمه في البداية، فشرع بالتعليق على ذلك المقطع مجددًا بقوله:"هو قصيدة محمود"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت