الصفحة 134 من 202

ومن تلك الملاحظات ماكتبه عبد الستار جواد عن استخدام رمز بروميثيوس في شعر البياتي.

يشير عبد الستار جواد إلى أن البياتي استعمل رمز بروميثيوس:"استعمالًا جديدًا بحيث جعل من نفسه مخلّص الشعر واللغة من ظلم القيود التي دعاها بالبيان والبديع أو باروكة اللغة الصلعاء" (48) . ويقارن ذلك الناقد بين استخدامين لهذا الرمز: استخدام اسخيلوس الشاعر والمسرحي اليوناني في (بروميثيوس مقيدًا) وشيلي الشاعر الإنجليزي في: (بروميثيوس مطلقًا) ، حيث نرى بروميثيوس الاسخيلوسي:"مقيدًا إلى صخرة بعد أن سرق النار من السماء وأعطاها للإنسان فاستحق بذلك غضب الآلهة"، أما بروميثيوس شيلي فيجسد:"الصورة العظيمة للنصر الذي هو هدف الإنسان حتى من خلال معاناته".

لم يقدم لنا عبد الستار جواد في تلك المقالة تحليلًا لشعر البياتي ولكنه اكتفى بالدلالة العامة للرمز وفرّق بين ثلاثة استخدامات على أساس تلك الدلالة العامة: استخدام اسخيلوس واستخدام شيلي واستخدام البياتي، ولم يورد لنا نصوصًا تبين صحة دعواه، وإنما اكتفى بمعرفته العامة لاستخدام الثلاثة لذلك الرمز، وعلى هذا لا نرى فيما أشار إليه الناقد عملًا نقديًا وإنما هي ملاحظة يمكن أن يذكرها كل من له اطلاع على أعمال أولئك الشعراء الثلاثة، أو كل من له اطلاع على نص تاريخي يشير إلى استخدام رمز بروميثيوس عند الشعراء الغربيين (49) .

وعلى هذا النحو اكتفى يوسف نمر ذياب بحكم عام قرر فيه أن:"الشاعر العربي المعاصر في الأغلب، لم يستطع أن يوظف الأسطورة في شعره توظيفًا داخليًا، فما هو غالب أن الأسطورة بقيت عنده رمزًا، خارجيًا، مشبهًا به، وبدر شاكر السياب الذي أكثر من ذكر الشخوص والأحداث الأسطورية اليونانية والعراقية القديمة وكذلك الرموز المسيحية، لم يزد على أن جعلها مشبهًا به: (كعيون ميدوزا) ، و (أنا المسيح) وعشتار بحفصة مستترة" (50) .

ولا ندري إن كان حكم ذلك الناقد مبنيًا على استقراء شامل للشعر العربي المعاصر المستوحي للرموز والأساطير، أو أنّه حكم عام غير مبني على الحيثيات، ولكن الذي نعلمه أن من تخصصوا في دراسة أساطير السياب ورموزه لم يتوصلوا إلى ماتوصل إليه يوسف نمر ذياب، بل وجدوا أن السياب كان يحوّر في الأساطير ليجعلها توائم الواقع المعاصر، وأن السياب أفاد منها إفادة فنية درامية واستخدم لذلك تقنيات فنية للتعامل مع تلك الأساطير ومن تلك التقنيات التداعي، والمونولوج الدرامي والديالوج (الحوار الداخلي) ". (51) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت