الصفحة 167 من 202

لم يسعفه هذا السبب عاد إلى قضية فنّية محض هي قضية الأبحر التي نسقها أكثر من تفعيلة واحدة، ومرة ثالثة لجأ، حين خذله التعليل (التاريخي) إلى قضية اقتراب بحري: المتدارك والمتقارب من الإيقاع النثري، وكان يمكن أن يكون أكثر اتساقًا مع نفسه لو استخدم منهجًا واحدًا في تفسير الظاهرات التي يدرسها.

وعلى الرغم من تلك الملاحظة، تبقى دراسة اطيمش واحدة من الدراسات الثرية الغنية التي لا يمكن للباحث أن يتجاوزها وهو يتناول موضوع العناية النصّية بالقصائد من الزاوية الموسيقية أو الإيقاعية.

وتناول علي العلاّق في عدد من مقالاته النقدية قضايا الإيقاع في الشعر العربي الحديث افتراضًا منه أن جهود شعراء الحداثة العربية بدأت تنصبُّ للخروج من مأزق الوزن الشعري الذي وجدت القصيدة العربية نفسها فيه بعد ظهور شعر التفعيلة، فالقصيدة العربية الحديثة، على ما يرى العلاّق، استبدلت:"رتابة البحور السابقة، بمعضلة أخرى هي ضيق النهر الموسيقي الذي أثّر إلى حدّ كبير على حركتها الإيقاعية" (26) .

ورأى في محاولة السياب وأدونيس اللجوء إلى البحور المركبة نوعًا من المسعى إلى الخروج من تلك المعضلة، ومن المحاولات الإيقاعية الأخرى التي جرت للخروج من مأزق الوزن الشعري التدوير، والتدوير على ما يرى العلاق: من المحاولات الواضحة لتلوين البناء الموسيقي للقصيدة العربية الحديثة ويضرب بقصيدة: (هذا هو اسمي) لأدونيس مثالًا على البناء الإيقاعي ذي النقلة المتميزة في الشعر العربي الحديث، مستعرضًا المزايا الإيقاعية للتدوير في تلك القصيدة، لأن أدونيس لم يستخدم في تلك القصيدة بحرًا من البحور المفردة، أي تلك التي تقوم على تكرار تفعيلة معينّة، بل اعتمد بحر الخفيف لهذا الغرض، وهو من البحور المركبة، وقد دفع أدونيس هذا البحر إلى أقصى إمكاناته الإيقاعية الممكنة باستخدامه الكثير من الزحافات والعلل وذلك للسيطرة على رتابة هذا البحر (27) .

غير أن العلاّق أبدى خشيته من أن يتحول التدوير إلى قصيدة مدوّرة وهذا ما يجعل القصيدة شكلًا منتهيًا جاهزًا صلبًا، فيتحول التدوير إلى إطار مغلق يحتوي النص الشعري، من مفتتحه حتى نهايته، وكما استعان ذلك الناقد بقصيدة أدونيس لبيان الملامح البارزة للتدوير والمزايا التي يكتسبها في الأمثلة الشعرية، استعان أيضًا بقصائد حسب الشيخ جعفر، وبخاصة قصائد مجموعة: (الطائر الخشبي) للكشف عن السمات الإيجابية والسلبية للتدوير.

ورأى العلاق أن التدوير، لدى هذا الشاعر:"طاقة إيقاعية شديدة التنوّع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت