الصفحة 190 من 202

الأصول المنهجية التي يسيرون على هديها، في استخدامهم الوصف الموضوعي للنصوص، غير أن أحكامًا نقدية قد تبرز في قسم من المقالات، كما لاحظنا ذلك في ثنايا المباحث السابقة، وكما سنلاحظ ذلك الآن، ونحن نتوقف عند قسم من تلك الأحكام والتقويمات النقدية.

لقد بيّنا، عند تناولنا قضية الأحكام النقدية عند قسم من النقاد السياقيين، أن الأحكام غير المعللة كانت واحدة من الآفات التي عانى منها النقد في العراق، ولم نجد لدى أولئك النقّاد السياقيين أحكامًا معللة إلا فيما ندر، غير أن الحالة تغيّرت على نحو ما إذا ما بحثنا عن تلك الأحكام لدى النقّاد النصيين، فقد اختفت الأحكام الانطباعية غير المبنية على حيثيات إلى حد كبير.

وحلت في محلها أحكام معللة تبين أسباب الحكم وتناقشه مناقشة مستفيضة، فعندما وصف عبد الجبار البصري قسمًا من صور حسين مردان الشعرية بأنها ناجحة، ووصف قسمًا آخر من تلك الصور بأنها مخفقة بيّن أسبابًا منطقية لحكمه، فمرد نجاح الشاعر في المجموعة الأولى من صوره يعود إلى أنه جرّد المفردات (الفولكلورية) والألفاظ الشعبية من قرائنها المادية واستطاع أن يصقلها وينقيها بحيث أصبحت تجمع بين ذكريات واقعها وإيحاء الخيال فالقداح، في قول الشاعر: وأنهر القدّاح في ذراعك البديع، لم يحتفظ بأي من قرائنه الواقعية حين أضيفت إليه لفظة: أنهر بل أعطته هذه اللحظة معاني جديدة منها الامتداد والسيولة والشفافية. (61)

وكذلك علل أسباب إخفاق الشاعر في صوره الأخرى، ومهما كان رأينا في تعليلات البصري، ومهما كان رأينا في الشعر الذي تناوله في تلك المقالة، وجدنا أنفسنا أمام أحكام معللة يبيّن فيها الناقد الأسباب التي تجعله يحكم بالجودة على صورة ما، ويحكم بعدم الجودة على صورة أخرى، وهي مزّية جيدة تسجل للناقد في تلك المرحلة من حياته النقدية.

كما يمكن أن نجد تلك الأحكام المعللة لدى نقّاد آخرين منهم حاتم الصكر الذي بيّن، بعد أن حلل إحدى قصائد رعد عبد القادر أن صورة دمية الابن التي قفزت في نهاية القصيدة إلى مجرى الأحداث حولّت اتجاه القصيدة وإعادتها إلى الذات بعد أن كانت تسبح في فضاء أشمل وأكثر بلاغة وتماسكًا (62) ، وتسويغ هذا الحكم أن الناقد رصد في تلك المقالة أسلوب الشاعر المكتفي بالعرض المحايد للصور، ورأى أن صورة دمية الابن التي ربطها الشاعر إليه منسوبة بياء المتكلم، أخلّت بذلك الأسلوب ذي الخاصية المحايدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت