الصفحة 66 من 202

تكون أكثر دقة، فالتحليل السيميائي (64) ، على مانعلم، لايكتفي ببحث المواقع النحوية للكلمات كما يزعم الناقد، وإنما يدرس العلاقة الداخلية التي توجد بين الدال والمدلول، والعلاقة التي تربط بين الإشارة برصيد معين من الإشارات الأخرى وتفصلها عنها بإدماجها في السياق القولي، والعلاقة التي تربط الإشارة بغيرها من الإشارات السابقة عليها أو اللاحقة لها في هذا السياق نفسه (65) .

وفضلًا عن ذلك يتوهم النصير أن المنهج البنائي يقول بعدم فائدة المناهج الاجتماعية والإنسانية وماتنطوي عليه من خبرات بشرية، ومن الواضح أن هذا الحكم غير دقيق هو أيضًا، فالبنائية بوصفها منهجًا أدبيًا ترى أن المناهج الاجتماعية والتاريخية والنفسية وغيرها من الاتجاهات السياقية، مناهج خارجية على الأدب، وهي لاتصلح لأن تتناول الأدب بالتحليل، لأن تحليلاتها ستركز على الجوانب الأساسية في تلك العلوم وتترك الجوانب الفنية فيها، ولم نطلع على حكم بنائي بهذا الإطلاق الذي يقرره النصير في أن البنائية تقول بعدم وجود فائدة للمناهج السياقية.

وكان طلال سالم الحديثي (66) واحدًا ممن نحو المنحى الثاني الذي أشرنا إليه، في بحثه عن منهج سياقي محدد، إذ دعا إلى الاهتمام بالنقد الأسطوري، من حيث كونه نقدًا يكشف عن ارتباط الشاعر بالحضارة، وأنه يعمق الصلة بالتراث فضلًا عن إثرائه مضامين الشاعر المعاصر، يقول الحديثي:"إن النقد الأسطوري جاء ردًا على مايدعى بمذهب النقد الجديد الذي ركز دعاته اهتمامهم على تحليل النص الأدبي من حيث هو وحدة مستقلة بذاتها، فسلخوا العمل الأدبي من جذوره الاجتماعية والحضارية، وكان هدف النقد الأسطوري أن يعيد ربط الشعر بالحضارة، فدرس القصيدة باعتبارها جزءًا من التراث الشعري، ودرس الشعر باعتباره جزءًا من الحضارة الإنسانية، فأصبح العمل الأدبي الواحد نغمًا منفردًا لا معنى له بذاته، بل بما يؤديه مع الأنغام الأخرى" (67) .

تكاد هذه الدعوة التي أطلقها طلال سالم الحديثي تكون متفردة إذ إنها الوحيدة من بين ماتحت أيدينا من مقالات ودراسات نقدية، تُعنى بالمدخل الأسطوري أو الطوطمي أو الشعائري أو الأنموذجي، ولكن ليس في هذه الدعوة مايجعلها تأخذ مدى من الجدية إذ لم يشفعها صاحبها بدراسات تطبيقية كما أنها لم تكن مؤكده، وإنما جاءت إشارة عابرة.

وهاجم علي جواد الطاهر (68) المنهج البنائي، وقال أن إصله يكمن في دعوة الفن للفن، وأن الدعوة إلى الشكلانية المطلقة التي سادت قبل ثورة اكتوبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت