الاشتراكية وبعدها بقليل كانت دعوة فحواها أن:"لاعلاقة لكاتب بمجتمع أو فكر، ولااهتمام لناقد بظرف وعوامل خاصة، إنه لايعرف إلاّ هذه الكلمات بإزائه، وهي مجموعة من الحروف تكون جملًا وسطورًا وفقرًا وهي همه الأول والأخير، بل إن الفكر عيب والأخلاق عار والنضال نقيصة" (69) .
ثم رأى أن مبادئ البنائية في الوقفة عند النص وفي تحليله والاستمتاع به معروف صحيح لاخلاف فيه، ولكنه أخذ على البنائيين التطرف في دعوتهم وخلص إلى القول إن البنائية:"لعبة تشغل الناس عن جدهم .. وهي حركة استعمارية تخدم الاستعمار خدمة جليلة، إذ تصرف في أقل مافيها الأديب عن الفكر والاجتماع والنضال" (69) .
والحقيقة إننا لم نعرف عن الشكلانيين الروس الدعوة إلى رفض علاقة الكاتب بالمجتمع أو قولهم أن الفكر عيب والأخلاق عار والنضال نقيصة، وإن كنا نعرف عنهم الاهتمام بالجوانب الشكلية وقلة عنايتهم بمضامين النصوص، على العكس من ذلك نجد نصًا صريحًا لياكوبسن وهو أحد أبرز الشكلانيين الروس يصرّح فيه:"أننا لاننادي، لاتينيانوف ولا مكاروفسكي ولا شكلوفسكي ولا أنا، بأن الفن يكتفي بنفسه، إننا على العكس من ذلك، نبين أن الفن لبنة في البناء الاجتماعي .. إن ما نؤكد عليه ليس انعزالية الفن، وإنما نؤكد على استقلالية الوظيفة الجمالية" (70) .
ولا ينبغي لنا قبول هذا التحامل المسرف الذي يصف منهجًا نقديًا بأنه يمثل حركة استعمارية، ذلك أن المنهج البنائي، حتى إن اختلفنا معه، يبقى منهجًا يقوم على أساس اللسانيات الحديثة المستمدة من دراسات سوسير، وهذه تعبّر عن منحى علمي وصفي لدراسة اللغة، وربما جانبنا الصواب كثيرًا إذا ما ربطناها بالعقائد والمذاهب السياسية، على هذا النحو المباشر.
فضلًا عن أننا لم نعرف هذه الحدية عند الطاهر، وهو الذي خصص فصلًا من كتابه (مقدمة في النقد الأدبي) لدراسة المناهج النقدية، وخصص عددًا من صفحات ذلك الفصل للتعريف بالشكلية، كان فيها مثال الباحث المحايد الذي يعرض الأفكار والآراء ولا يتطرف في الدفاع عن منهج ما كما لايتطرف في الهجوم على منهج آخر.
ونشر عزمي محمد شفيق (71) سلسلة مقالات عنوانها: (الحركة الشعرية