والحاجة إلى منهج نقدي بعثي)، وكان الباحث يتوقع أن يجد معالجة نقدية تصب في مجرى الاتجاهات السياقية، ولكنه لم يجد في الحلقات الثلاث الأولى من هذه الدراسة إلا هجومًا على شعراء:"يتعاطون الشعر الحرّ أو الشعر الجديد بأشكاله جاهلين أوزان الشعر العربي، فيتجاوزون أصول الشعر الحر وقواعده دون وعي منهم أو بوعي" (72) ، وهو لايسمي أولئك الشعراء بأسمائهم أو أجيالهم التي ينتمون إليها.
ولايبدو كاتب تلك المقالات ناقدًا بقدر كونه معبرًا عن رؤية سياسية يمثلها قوله:"يحتم علينا تصدينا لمخططات الاستعمار والصهيونية والرجعية ... أن يسهم الأديب والشاعر في هذا التصدي" (73) .
ولم يتناول قضية المنهج إلا في الحلقة الأخيرة من مقالاته عندما أشار إلى أن اضطراب الرؤية الشعرية عند الشعراء يتأتى من:"غياب النظرية النقدية الهادية" (74) ، ولذا يأمل من الحركة الثورية أن تحاول:"استشراف آفاق منهج نقدي أدبي أو ترسم خطوطًا عريضة لنظرية في مجال الفن والثقافة" (75) .
إن الكاتب، هنا، لايحدد أية ملامح للمنهج الذي يدعو إليه، على العكس من ذلك، يطالب الحركة الثورية أن ترسم له تلك الملامح فهو يعبّر عن رؤية غيرية ولايطرح وجهة نظر محددة، ومن ثم يصعب علينا إدراج دعوته تحت خيمة منهج نقدي محدد.
ولم يعلن طراد الكبيسي (76) عن سياقيته، وإن استطاع الباحث تلمسها في مجمل كتاباته النقدية، فهو يرى أن النقد الأدبي العربي موزع بين اتجاهين رئيسين:"اتجاه أو منهج أكاديمي بمعناه الذميم الميت، واتجاه يستعير القدرة على التحليل أو الكشف والتفسير من مناهج غربية غريبة على طبيعة تجربتنا الأدبية" (77) .
يستشف من هذا النص النقدي أن طراد الكبيسي لايحبذ الاتجاهين معًا لأنه يريد البحث عن:"رؤية نقدية عربية تعكس القيم الجوهرية للحياة العربية المادية والثقافية المعاصرة"غير أنه في تلك الدراسة نفسها يطالب الناقد بالانصراف:"إلى أن يبين كيف يؤثر الجو الحضاري الثقافي الذي يسود فترة ما في إنتاج الأدب واستساغته، وكيف يؤثر الأدب في الجو نفسه فيبرز ويبلور الكثير من حقائقه ومظاهره. هذا ويبدو أن النقد الأدبي يتجه اليوم إلى العمل الأدبي نفسه والابتعاد عن المنهج البيوغرافي والأكاديمي البحت، لاتثق بالقاص وثق بالقصة".